"سعيد الكحل" يكتب لـ"أخبارنا المغربية": فتنة الريسوني

أحمد الريسوني رئيس اتحاد العلماء المسلمين
أحمد الريسوني رئيس اتحاد العلماء المسلمين

سعيد الكحل

لما يفقد المرء حسه النقدي ورزانة العقل وعمق التفكير يفقد بالضرورة الحكمة والتبصر وتقدير أثر القول أو الفعل على النفوس أو العلاقات. 

مناسبة هذا القول ما صرح به الدكتور الريسوني، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، حول موريتانيا دون أن يدرك أو يقدّر أثره على العلاقات الدبلوماسية بينها وبين المغرب. 

ذلك أن تأكيد الريسوني، في حديثه لموقع “بلانكا بريس”، بأن “وجود موريتانيا غلط من الأساس، إلى جانب قضية الصحراء”، وأن “المغرب ينبغي أن يعود إلى ما كان عليه قبل الغزو الأوروبي لما كانت موريتانيا جزءًا منه”، يفتقر إلى الحكمة والواقعية ويروم إثارة الفتنة بين الدولتين والشعبين.

 فحديث الريسوني لم يأت في سياق تاريخي بدليل توظيفه لفعل "ينبغي" الذي يسري أثره على الحاضر والمستقبل، أي ما يفيد المتعين فعله وذلك بإعادة موريتانيا إلى حضن المغرب وسيادته. 

الأمر الذي يطرح سؤالا حول هدف الريسوني من هذا التصريح وهو يعلم علم اليقين أن موريتانيا دولة مستقلة وذات سيادة وعضو بهيئة الأمم المتحدة، وأن المغرب يعمل جاهدا على الارتقاء بعلاقاته الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية والأمنية والعسكرية معها وتمتينها. 

هل يجهل الريسوني أو يتجاهل تربص عدة أطراف خارجية بالمغرب وبموريتانيا خدمة لأجندات الهيمنة والتوغل، أو عزل المغرب عن امتداده الإفريقي وضرب مصالحه العليا؟ 

طبعا لا يمكن التعامل مع تصريحات الريسوني باعتبارها أقوالا عابرة صدرت عن شخص عادي اعتاد الخوض في القضايا الفقهية بعيدا عن المجال الدبلوماسي والسياسي، فالريسوني شخص مسؤول في أكبر هيئة علمائية تفتي في القضايا المصيرية للمسلمين؛ ومن ثم ينبغي إعطاء أقواله الأبعاد التي يفرضها مقامه كرئيس وفقيه "مقاصدي". 

إن الريسوني، في واقع الأمر، لا يمثل نفسه وإنما انتماؤه الإيديولوجي والتنظيمي لتيار الإسلام السياسي يجعله في خدمة أهداف هذا التيار ضدا على مصالح الشعوب والدول، ولا يُخفي الريسوني حقيقة أن تنظيمات الإسلام السياسي لم تبلغ بعدُ مرحلة "الرشد" أو بالكاد تلامسها. فلا غرابة، إذن، أن تأتي تصريحاته مخالفة للأعراف الدبلوماسية ومفتقرة إلى الحكمة المفروض توفرها في العلماء والفقهاء.

 وليست المرة الأولى التي يعبر فيها الريسوني عن مرحلة "ما قبل الرشد" التي توجد عليها الحركة الإسلامية وقياداتها. ففي سنة 2003، أعطى تصريحا لصحيفة مغربية "Aujourd’hui le Maroc" شكك، من خلاله، في أهلية الملك لتولي مسؤولية إمارة المؤمنين، زلة لا يمكن أن يسقط فيها إلا "فقيه" فاقد "للرشد" مهووس بالمشروع الإخواني الهادف إلى السيطرة على الدولة والسلطة والدين.

 ورغم أن تصريحه حينها كلّفه منصبه على رأس حركته الدعوية "التوحيد والإصلاح"، فإنه لم يتعظ ولم "يرشد" حتى يزن الأمور بميزان العقل والحكمة ومصلحة الشعوب والأوطان. وكيف له أن يفعل وقد انخرط في خدمة التحالف الإخواني/الإيراني. إذ لا يخفى على أحد المخطط الإيراني في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء. مخطط تعمل إيران، بكل الوسائل، على تمريره وتنفيذه. 

وسبق للمغرب أن تصدى له بكل حزم حين قرر قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران سنة 2018. ذلك أن المغرب تفطن لكون إيران تخطط لزعزعة استقراره عبر الدعم العسكري واللوجيستي لجبهة البوليساريو مستغلة تواطؤ حكام الجزائر وتسهيلهم لمأمورية الحرس الثوري وعناصر حزب الله اللبناني لنقل خبراتهم العسكرية والقتالية لانفصاليي تندوف. مخطط حذر منه المغرب مرارا. 

ففي مقابلة مع قناة "لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية" بموقع "يوتيوب"، عشية أول مشاركة رسمية مغربية في فعاليات مؤتمر "إيباك"، أكد السيد ناصر بوريطة: "لقد هددت إيران وحدة الأراضي المغربية وأمنها، من خلال دعم ميلشيات البوليساريو، وتدريبهم ومنحهم السلاح، كما أن إيران تنتشر من خلال حزب الله في غرب إفريقيا، واليوم نحن لا نزال نحتاط من التهديدات الإيرانية لأمن الشعب المغربي"، وأن "إيران أيضا تستغل حزب الله لتوسيع نشاطها في شمال افريقيا. ونحن جد يقظين حيال التهديدات التي تمثلها إيران بالنسبة لأمننا وأمن المغاربة". 

هذه اليقظة المغربية بدل أن يدعمها الريسوني من موقعه على رأس اتحاد العلماء، فهو يشوش عليها بتقديم المبررات التي تخدم أجندة إيران والجزائر. ذلك أن إيران فشلت، حتى الآن، في اختراق المجتمع الموريتاني بفضل يقظة الطبقة السياسية ورئاسة الدولة التي سبق وأغلقت أول "حسينية" فتحتها إيران بمسجد "الإمام علي بن أبي طالب"، في حي "النعيم" بنواكشوط، وعزلت الإمام عن الخطابة وأي نشاط ديني.

 وعي موريتاني بمخاطر التغلغل الإيراني جعل المفتي أحمدو حبيب الرحمن، يدعو سلطات بلاده، في شتنبر 2015، إلى قطع العلاقات مع إيران بسبب «المد الصفوي الفارسي» الذي يخالف المذهب السني لموريتانيا. كما سبق للدكتور عبد السلام ولد حرمه ،رئيس "حزب الصواب" أن حذر من خطورة المخطط الإيراني؛ إذ قال في إحدى تصريحاته الصحفية «لقد سبق وأن حذرت، ومعي عدد من الباحثين الموريتانيين، من أن المشروع الإيراني في موريتانيا أصبح خطيراً، ويشكل تهديداً حقيقياً لأمن البلاد»، وأن «المشروع الإيراني يقوم على سببين أساسيين: أولهما أن موريتانيا تملك موقعاً استراتيجياً مهماً بين غرب القارة الأفريقية وشمالها، أما السبب الآخر فهو أن موريتانيا لديها مخزون كبير من الثروات ينتظر أن يبدأ استغلاله من طرف القوى العالمية في السنوات القليلة المقبلة، وإيران لديها أطماع في هذه الثروات». 

إذن، تصريحات الريسوني تخدم المشروع الإيراني من حيث كونها تبث الوساوس والمخاوف في نفوس الموريتانيين من المغرب الذي صوّره كقوة "توسعية"؛ الأمر الذي قد تستغله إيران لعرض "خدماتها العسكرية والأمنية" على موريتانيا لحمايتها من "خطر وهمي"، ومن ثم تجد موطئ قدم لها. 

فإيران لا تكف عن عرض تلك الخدمات، إذ سبق لوزير الدفاع الإيراني العميد الركن أمير حاتمي، أن زار موريتانيا في يناير 2019 لنفس الأهداف. 

من هنا نفهم ونتفهم الاحتجاج الموريتاني غير الرسمي ضد تصريحات الريسوني، ومن ذلك ما جاء في منشور حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية “تواصل”، من أن “التصريح المتداول حمل عبارات غير لائقة، وأحكاما إطلاقية بعيدة من الدقة، ومعلومات غير مؤسسة، وإساءة غير مناسبة ولا مقبولة إلى الجمهورية الإسلامية الموريتانية وأهلها". 

أكيد أن الريسوني، قبل أن يسيء إلى موريتانيا، أساء إلى المغرب الذي ظل يحافظ على علاقات حسن الجوار ولا يتدخل في الشؤون الداخلية للدول، بل يشارك في القوات الأممية لحفظ الأمن واستتبابه بالقارة الإفريقية.

 للأسف جاءت تصريحات الريسوني المحرضة على الفتنة أسبوعا فقط عن خطاب العرش الذي أهاب فيه عاهل البلاد بجميع المغاربة إلى مواصلة التحلي بقيم الأخوة والتضامن وحسن الجوار "وبهذه المناسبة، أهيب بالمغاربة، لمواصلة التحلي بقيم الأخوة والتضامن، وحسن الجوار، التي تربطنا بأشقائنا الجزائريين؛ الذين نؤكد لهم بأنهم سيجدون دائما، المغرب والمغاربة إلى جانبهم، في كل الظروف والأحوال"، وأن يعطوا" المثال للشعوب المغاربية الأخرى". إنك فتّان أيها الريسوني.


التعليقات

14

آراء القراء مرتبة من الأحدث إلى الأقدم

مواطنة

إنه محق

تعليق 1

تعبنا من الدبلوماسية و سرقت منا سنين عديدة. أجيال من هذا الوطن عانت من كيد الأعداء ولا نتيجة تذكر و نحن دائما ذلك الطفل الوديع. حان الوقت لأن نبتعد عن النفاق و أن نقول الحقيقة و نستريح من تلك المراواغات اللتي لا تجذب سوى الذل و الإهانات. ما قاله الأستاذ الريسوني حقيقة تاريخية تدرس في الكتب ليس إلا، ولا تنازل بعد الآن على أي حق لهذا الوطن.

11

متتبعة

الفقيه الي كنا نتسناو بركاتو دخل لجامع ببلغتو

تعليق 2

فعلا الريسوني هدم ببعض الكلمات كل ما بناه المغرب وموريطانيا في السنوات الأخيرة والغريب اننا ما لم نسمع دفاعه عن المغرب في ازمته مع اسبانيا او مرة واحدة دافع عن المغرب لكنه اثبت ان لا ثقة في مغاربة قطر الا من رحم ربي ...السيد الفقيه لم يكن لا حكيما ولا بصيرا ولا بريئا في ما قاله.وبالمغربية هاد لفقيه قودها مزيان.

-22

driss

النفاق الإخواني .

تعليق 3

المدعو الريسوني سقط في متناقضات عدة ، لقد قدم خدمات جمة إلى أعداء الوطن بهذا التصريح الغريب رغم أنه حاول الظهور بمظهر المغربي الوطني ، الريسوني يعرف أن بتصربحه هذا سيشوش على علاقات المغرب بجارته الجنوبية والحقيقة هي أنه يعاكس قضايا الوطن ويخدم المشروع الإخواني الذي لا يعترف بالتوابث الوطنية المغربية ، الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين هو في الأصل اتحاد علماء المسلمين الإخوان الذي تتحكم فيه قطر كيف تشاء وهي التي تقيم علاقات مع إسرائيل في واضحة النهار ولن يجرؤ لا الريسوني ولا القرضاوي في شيطنة الدول التي لها علاقة طيبة مع قطر المانحة .

-22

Karim

كلام تافه من الصحافي

تعليق 4

مشكل المغرب هو التفكك، تنتظرون اي فرصة لطعن اشخاص يختلفون معكم في المعتقد حتى ان كانوا وطنيين و لديهم غير على وطنهم.

22

مغترب

ابناء وطن واحد

تعليق 5

ماجاء في كلام الريسوني له قراءتين 1 قراءة رد الفعل والتي يركب عليها من يصطادون في الماء العكر. تخرج ماقاله عن سياقه، الريسوني قال جهرا ما يعرفه الجميع. لم يجادل في استقلال موريتانيا 2 قراءة التأني تجعلنا نرى الموريتانيين اكثر قُرباً إلى قلوب المغاربة لأننا عشنا أمة واحدة لعدة قرون ومشينا موحدين نحارب سويا في خندق واحد. المغرب كان موريتانيا وموريتانيا كانت هي المغرب. أقول لإخواننا في موريتانيا تعالوا نبني مجدداً صرح أخوة مبنية على الاحترام والتقدير المتبادل. إقرأ التاريخ تعرف من هو الأخ الصادق

26

حسن

هناك إجماع على الحدود المغربية

تعليق 6

سعيد الكحل هذا دائما تجده يهاجم الإخوان في كتاباته. لكن هذه المرة سقط في الفخ. لأن رأي العلامة الريسوني حول الحدود المغربية هو رأي جميع المغاربة طبعا بإستثناء الكحل.

14

عبدو

مذا بعد

تعليق 7

رغم اختلافنا الكبير مع الأيديولوجية التي يتبعها الريسوني إلا أنه عبر على حقيقة تاريخية يعرفها الكل وهي أن المغرب ارتكب خطأ تاريخي بمنح الاستقلال لموريطانيا وتضيع الصحراء الشرقية أما الجبناء ومبرري الضعف لا يعبرون على ايرادة المغاربة الأحرار الأصليين بل يعبرون على مغاربة من أصول بنو هلال العربية المعروفين بالجبن والخوف والتخاذل

غيور على وطنه

عاشق وطنه

تعليق 8

الرسوني قال كلام معقول على كل واحد يحترم الوحدة الترابية لمغربنا الحبيب

14

محمد

لكحل

تعليق 9

انتم هم الفتانون فتنتم البلاد وتريدون الانقلاب عليها كليا عوض دعم المغاربة في حقهم المشروع. حق استرجاه الاراضي المسلوبة من الجيران.. والذين يتطاولون في كل ثانوية على الوطن ورموزه

الحجاج بن يوسف

الثقفي

تعليق 10

هذا همه ليس ماقاله الريسوني ولكن همه ماهو متعلق بالدين اسمع اوليدي هذا الدين حورب من طرف الجبابرة احيطك علما انهم ذهبوا وبقي شئت ذلك ام ابيت نقبل التحليل لا الطعن في كل ما له علاقة بالدين راك غير كطبل في بندير مثقوب لا احد يسمعك للاشارة فقط قرات بضع كلمات وادركت مرادك للاشارة لا اريد قراءة الكل لان النص طويل بلا فأئدة كليل الشتاء والله لن نترك هذا الدين ولو جاء طواغيت الارض كلهم لان هو الحق ولا نلزمك ولكن سد الطواليط ديالك احسن

عبدو كندا

آل الريسوني

تعليق 11

حذاري منهم لم يستسغوا ماذا جرى لابنتهم وولدهم

-17

محمد الجنتي

سؤال مجرد

تعليق 12

أليست موريتانيا أفضل مع المغرب؟

-1

مغربي

عار الجار على جارو

تعليق 13

احترام الجيران واجب وهذا ما أوصى به الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن مع كامل الأسف بعض المسلمين يفقدون بوصلة الحكمة والتبصر والعقل بسبب تحجر العقول بالخرافة والوهم .

-2

عبدو

اسم على مسمى

تعليق 14

ما علاقة اسلامية الريسوني بما قاله عن الوحدة الترابية للوطن، كل مواطن في هذا الوطن يمكنه ان يقول نفس كلام الشيخ وهذا حقيقة يمكنك القيام بقليل من البحث في تاريخ المملكة ستجد ذلك مكتوبا بخط عريض لكنك ستحتاج لنظارات لرؤيته بوضوح لأن من كتبه مسلمون، وفي دماغك كلمة اسلام تدير ليك جلالة على عينيك.

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.