أخبارنا المغربية – عبدالإله بوسحابة
لم يكن المشهد الذي وثقته مقاطع الفيديو القادمة من جماعة سيدي امحمد أومرزوق، ضواحي إقليم الصويرة، مجرد نشاط حزبي عابر، بل كان، في نظر كثيرين، صورة حية تختزل حجم الأزمة التي يعيشها المشهد السياسي في المغرب خلال السنوات الأخيرة.
فعوض أن تتصدر كلمات الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، محمد نبيل بن عبد الله، النقاش، تحولت فقرات غنائية أحياها الفنان الشعبي "أحوزار" رفقة "شيخاته" إلى حدث حقيقي خطف الأضواء، بينما بدت السياسة مجرد فقرة افتتاحية قصيرة تسبق موعد الرقص والطرب.
هذا المشهد الصادم، الذي انتشر على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، أثار موجة من الانتقادات، ليس فقط بسبب إدراج فقرة فنية في لقاء سياسي، وإنما لأن الصور أظهرت جمهورا يتفاعل بحماس هيستيري وغير مسبوق مع الرقص والغناء، في حين لم تحظ الخطابات السياسية التي ألقيت على هامش اللقاء بالاهتمام نفسه، الأمر الذي دفع كثيرين إلى التساؤل: هل أصبح الحزب عاجزا عن جمع المواطنين إلا عبر طعم "الشيخات"؟
قد يقول البعض إن الجمع بين السياسة والفن ليس جديدا، لكن ما حدث في الصويرة تجاوز فكرة "فقرة فنية موازية"، إذ بدا وكأن النشاط السياسي كله تحول إلى مجرد جسر للعبور نحو سهرة شعبية ظل الجميع ينتظرها لساعات طوال، حتى إن النقاش بعد نهاية اللقاء لم ينصب على مواقف الحزب أو رؤيته أو مرشحه للانتخابات، بل انصب على فقط رقص الشيخات وأغاني أحوزار.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: ماذا لو لم يكن أحوزار حاضرا؟ هل كانت القاعة ستعرف الحضور نفسه؟ وهل كان مئات المواطنين سيقطعون تلك المسافات الطويلة للاستماع إلى خطاب سياسي، أم أن عامل الجذب الحقيقي كان البرنامج الفني وليس البرنامج الحزبي؟
لا أحد يستطيع الجزم بالإجابة، لكن الفيديوهات المتداولة تكشف حقيقة يصعب تجاهلها؛ وهي أن الفقرة الفنية كانت صاحبة التأثير الأكبر، وأنها ابتلعت الحدث السياسي بالكامل، حتى أصبح الأمين العام للحزب ضيفا على نشاط انتهى وهو يحمل عنوانا فنيا أكثر مما يحمل مضمونا سياسيا.
الأخطر من ذلك أن هذا المشهد يسيء، في نظر عدد كبير من المتابعين، إلى صورة السياسة نفسها. فالأحزاب يفترض أن تكون فضاءات للنقاش العمومي وإقناع المواطنين بالمشاريع والبرامج، لا منصات تستعين بالشيخات ومغنيي الشعبي لتعويض ضعف التعبئة السياسية أو لإضفاء زخم مصطنع على لقاءاتها.
إن اللجوء إلى وسائل الترفيه لجذب الحضور يبعث برسالة سلبية مفادها أن الخطاب السياسي لم يعد قادرا على استقطاب المواطنين، وأن الأحزاب فقدت ثقتها في قوة أفكارها، فأصبحت تبحث عن جمهور السهرات بدل البحث عن جمهور السياسة.
والسؤال الذي يظل معلقا هو: هل يقبل الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية أن تختزل صورة حزبه، وهو يستعد لاستحقاقات انتخابية حاسمة، في مشاهد رقص وزغاريد تتصدر مواقع التواصل الاجتماعي، بينما تختفي خلفها الرسائل السياسية التي جاء من أجلها؟
لقد ربح أحوزار معركة التفاعل دون أن يترشح للانتخابات، بينما خسر السياسيون معركة الصورة، لأن الحدث انتهى كما بدأ في ذاكرة المغاربة: سهرة ناجحة... ولقاء سياسي سينسى بسرعة البرق كما نسيت لقاءات عديدة قبله.
وإذا كانت الأحزاب تلجأ اليوم إلى الفنانين لاستقطاب الجماهير، فإن السؤال الأخطر ليس لماذا رقص الناس، بل لماذا لم تعد السياسة قادرة على إقناعهم بالحضور من أجل السياسة وحدها؟
ملحوظة لابد منها.. قبل أن يرحل نبيل ورفاقه من قاعة اللقاء، تم نزع لافتات وشعارات الحزب، ليترك الفضاء بذلك لـ"الشطيح والرديح" على إيقاعات الفن الشعبي الذي قدمه أحوزار وشيخاته، وسط هيستيرية من الفرح والنشاط بين مئات المواطنين الذين حضروا خصيصا للاستمتاع بفقرات هذا الحفل الراقص.




مواطنة
النشاط
المواطن لم يعد يثق بالأحزاب لأنها لا تقدم له أي شيء ولهذا أصبح المواطن يبحث عن الترفيه والنشاط في الشطيح والرديح.