من نفوذ العائلات إلى منطق الاستحقاق.. كيف قطع "الأحرار" مع عرف "التوريث" وأعاد الاعتبار لنخبه الشابة؟
في السياسة، لا تقاس التحولات الكبرى بعدد الوجوه التي تتغير، وإنما بالقواعد التي تتغير معها. ومن هذه الزاوية تحديدا، يبدو أن حزب التجمع الوطني للأحرار عاش خلال العقد الأخير تحولا يتجاوز مجرد تغيير القيادة أو تجديد الخطاب، بعدما شرع في إعادة صياغة قواعد إنتاج النخب وموازين النفوذ داخله. فمنذ المؤتمر الوطني السادس سنة 2016، بدأت ملامح قطيعة تدريجية مع مرحلة كانت فيها بعض الشخصيات والعائلات السياسية تمثل مراكز قوة يصعب تجاوزها، مقابل فتح المجال أمام جيل جديد يصعد من داخل التنظيم، ويصنع مشروعيته من خلال العمل الحزبي والحضور الانتخابي والقدرة على تحمل المسؤولية.
ولسنوات، لم يكن اسم "الأحرار" منفصلا عن أسماء وازنة راكمت نفوذا سياسيا و انتخابيا وتنظيميا، حتى بدا في بعض الجهات أن قوة الحزب ترتبط بقوة هذه الشخصيات وامتداداتها العائلية. غير أنه مع وصول عزيز أخنوش إلى قيادة الحزب أطلق، تدريجيا، تصورا مختلفا لمفهوم النفوذ. فالتاريخ السياسي لم يعد وحده كافيا لحجز موقع دائم في دوائر القرار، والرصيد الانتخابي لم يعد يعني امتلاك مفاتيح التنظيم، كما أن النفوذ المحلي لم يعد بالضرورة قابلا للتحول إلى نفوذ مركزي. ومن هنا بدأت عملية إعادة ترتيب داخلية لم تكن دائما صاخبة، لكنها كانت واضحة في نتائجها: مراكز قوة تقليدية تراجعت، وأسماء جديدة تقدمت، وقواعد جديدة بدأت تضبط الصعود داخل الحزب.
وفي هذا السياق، تكتسب حالات من قبيل محمد عبو وسعيد شباعتو وغيرها.. دلالتها السياسية، ليس باعتبارها مجرد قصص لخلافات داخلية، وإنما بوصفها تعبيرا عن انتقال من مرحلة إلى أخرى. فقد كان لشباعتو، على سبيل المثال، حضور وازن داخل المشهد السياسي والحزبي، غير أن العلاقة مع القيادة الجديدة دخلت مرحلة من التوتر، خصوصا مع بروز خلافات حول عدد من الاختيارات، من بينها ما ارتبط بموقع نجله مروان شباعتو في الحسابات الحكومية، في مقابل صعود لحسن السعدي. وبغض النظر عن تفاصيل الكواليس وما يروى بشأنها، فإن الدلالة الأهم تكمن في أن المسؤولية الحكومية لم تعد، وفق المنطق الجديد، امتدادا طبيعيا للنفوذ العائلي أو الانتخابي، وإنما أصبحت مرتبطة بحسابات الحزب واختيارات قيادته ومسار الأسماء التي يراهن عليها.
لكن الأهم من تراجع بعض الأسماء هو ما جاء بعد ذلك. فالحزب لم يكتف بإعادة تحجيم مراكز النفوذ التقليدية، وإنما شرع في بناء نخبة بديلة، وهذه ربما هي النقطة الأكثر أهمية في التجربة كلها. أسماء مثل مصطفى بايتاس، ولحسن السعدي، ويوسف شيري، وياسمين المغور، وسلمى بنعزيز وغيرها، لم تدخل المشهد من بوابة أسماء عائلية جاهزة، بل صعدت عبر التنظيم والتأطير والعمل الميداني والتدرج الحزبي، قبل أن تجد طريقها إلى البرلمان والحكومة ومواقع المسؤولية. وهنا تحديدا تبدو فلسفة "الأحرار" الجديدة أكثر وضوحا: الحزب لا يريد فقط تغيير الوجوه، بل يريد تغيير الطريقة التي تصنع بها الوجوه نفسها.
ولهذا، فإن اختزال تجربة "الأحرار" في شخص عزيز أخنوش وحده قد يحجب تحولا أعمق يجري داخل الحزب منذ سنوات. فالمسألة تتعلق بإعادة تعريف مصدر الشرعية السياسية داخل التنظيم: من شرعية الاسم العائلي والتاريخ الشخصي، إلى شرعية المسار الحزبي والكفاءة والحضور والقدرة على إنتاج التأثير. وقد يختلف المرء مع طريقة تدبير أخنوش للحزب، وقد ينتقد درجة المركزية التي طبعت هذه المرحلة، لكن الثابت أن "الأحرار" لم يعد يشتغل بالقواعد نفسها التي حكمته قبل عقد من الزمن. لقد انتقل من حزب يستفيد من نفوذ أسماء صنعت حضورها في مراحل سابقة، إلى حزب يحاول صناعة أسماء جديدة تخدم مشروعه في المستقبل. وفي السياسة، حين تتغير الجهة التي تصنع النخبة، فإن الأمر لا يتعلق بتغيير أشخاص فقط، بل بإعادة توزيع حقيقية للنفوذ... وربما هنا بالضبط تكمن واحدة من أهم حكايات التحول داخل "الأحرار".

أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.