هرباز يفجرها بكل جرأة.. أكثر ما يغيظ خصوم المغرب ليس تقاربه مع إسرائيل بل المكانة التي بات تحتلها

هرباز يفجرها بكل جرأة.. أكثر ما يغيظ خصوم المغرب ليس تقاربه مع إسرائيل بل المكانة التي بات تحتلها

من جديد، وجد المغرب نفسه وسط دوامة من الانتقادات، من الداخل والخارج، وذلك على خلفية قرار رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي مع إسرائيل إلى مستوى السفارات، في خطوة أعادت إلى الواجهة سجالاً قديماً حول طبيعة هذه العلاقات وحدودها وانعكاساتها على الموقف المغربي من القضية الفلسطينية. غير أن هذه الانتقادات قد لا تكون كلها في محلها الصحيح، إذ يبدو أن هناك من يترصد للمملكة ويبحث لها عن أي زلة أو مناسبة لضرب صورتها والتشويش على حضورها، بل وتحويل كل تحرك مغربي إلى مادة للهجوم والمزايدة.

وفي خضم هذا الجدل، اختار الناشط والمدون نبيل هرباز، المقيم بألمانيا والمهتم بالدفاع عن قضايا الوطن، أن يطرح سؤالاً يذهب مباشرة إلى صميم النقاش: ما الذي يزعج بعض خصوم المغرب في الخارج من علاقاته مع إسرائيل؟ سؤال لا يبحث، بحسب هرباز، عن إجابة جاهزة، بقدر ما يحاول تفكيك ما وراء الخطاب المعلن، والوقوف عند المصالح والحسابات التي قد تجعل بعض الأطراف أكثر انزعاجاً من مغرب يوسع شبكة تحالفاته، ويعزز قدراته، ويراكم أوراق قوته، ويفرض لنفسه موقعاً أكثر تأثيراً إقليمياً ودولياً.

ويطرح هرباز فرضيته بوضوح: "لا تنخدعوا بكل الشعارات. عند بعضهم، المعركة ليست فلسطين أصلاً… المشكلة هي المغرب." فمن وجهة نظره، فإن جزءاً من الانتقادات لا يستهدف العلاقة مع إسرائيل في حد ذاتها، بقدر ما ينظر إليها باعتبارها حلقة ضمن مسار مغربي أوسع لتنويع الشراكات، وتطوير القدرات الدفاعية، والانفتاح على التكنولوجيا المتقدمة، وبناء قنوات تأثير داخل العواصم ومراكز القرار. ويرى أن بعض خصوم المملكة يريدون مغرباً محدود التحالفات وسهل الضغط، ولذلك يتحول كل انفتاح جديد أو شراكة إضافية إلى مناسبة لتصعيد الهجوم.

وفي هذا السياق، يستحضر هرباز مثالاً من الساحة الرياضية، حين يشير إلى ما رافق تنظيم المغرب لبطولة أمم إفريقيا، معتبراً أن الإشادة بالملاعب والبنيات التحتية والتنظيم لم تمنع، بحسب قراءته، انتقال الخطاب إلى التشكيك والاتهامات عقب صدور حكم الهيئة القضائية للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم لصالح المغرب. ومن هنا يستخلص أن بعض المعارك التي تبدو مرتبطة بموضوع محدد قد تخفي، في تقديره، تنافساً أوسع حول صورة المغرب وموقعه وقدرته المتزايدة على فرض حضوره.

أما في الداخل، فيرى هرباز أن القضية الفلسطينية قد تدخل في حسابات مختلفة، عبر تحويل التعاطف الصادق والعميق للمغاربة مع فلسطين إلى رصيد سياسي في مواجهة الدولة والخصوم. فهو لا ينازع في مكانة القضية الفلسطينية، لكنه يحذر من توظيفها انتخابياً، بحيث تصبح غزة مادة للمزايدة، والكوفية أداة للاستقطاب، والتضامن الشعبي وسيلة لتجميع النفوذ السياسي. وبالنسبة إليه، فإن الفرق كبير بين الدفاع عن فلسطين باعتبارها قضية إنسانية وسياسية عادلة، وبين تحويلها إلى أداة في صراع داخلي على السلطة والمواقع.

ومن هنا يدعو هرباز إلى الفصل بين الموقف من القضية الفلسطينية وبين خيارات المغرب الخارجية، مشيرا إلى أن التضامن مع الفلسطينيين، لا يفرض على المملكة التخلي عن بناء تحالفاتها أو تعزيز قدراتها، كما أن إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل لا تعني تلقائياً تبني جميع سياساتها ومواقفها، قبل أن يؤكد أن الدولة مطالبة بإدارة علاقاتها وفق حسابات مصالحها الاستراتيجية، مع الحفاظ على ثوابتها، بعيداً عن ضغوط الخارج ومزايدات الداخل.

ويخلص هرباز إلى أن المعركة الحقيقية، كما يراها، لا ينبغي أن تختزل في سؤال: "لماذا إسرائيل؟"، بل يجب أن تمتد إلى سؤال أكثر عمقاً: لماذا يثير مغرب يراكم أوراق القوة ويوسع شبكة تحالفاته كل هذا القدر من الحساسية لدى بعض خصومه؟ وبالنسبة إليه، فإن المصلحة الوطنية يجب أن تبقى فوق الحسابات، فلا يصبح المغرب رهينة لمزايدات الخارج، ولا تتحول فلسطين إلى سلّم انتخابي أو أداة للصراع على الكراسي في الداخل. فالمغرب، في نهاية المطاف، قادر على الدفاع عن مصالحه وتوسيع خياراته، وفي الوقت نفسه الحفاظ على مكانة القضية الفلسطينية في وجدان شعبه ومواقفه المعلنة.


أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.