أخبارنا المغربية- محمد الحبشاوي
مع الارتفاع التدريجي في درجات الحرارة ودخول موسم الصيف بشكل رسمي ببلادنا، تعود إلى الواجهة بمدن شمال المملكة ظاهرة "الشناقة" أو السماسرة الموسميين لكراء الشقق والمنازل، وهي الظاهرة التي باتت تؤرق بال العائلات المغربية ومغاربة العالم الراغبين في قضاء عطلتهم بشواطئ تطوان، ومرتيل، والمضيق، والفنيدق، وطنجة، جراء الارتفاع الصاروخي والفوضوي في أسعار الإيواء اليومي.
ويشتكي عدد من المواطنين من السلوكات الاحتكارية والمضاربات الشرسة التي تفرضها شبكات من الوسطاء غير القانونيين، والذين يعمدون إلى السيطرة على العرض السكني وإعادة كرائه بأسعار مضاعفة، مما يحوّل طموح الاستجمام لدى الأسر متوسطة الدخل إلى "عبء مالي ثقيل" يجبر الكثيرين على تقليص مدة عطلتهم أو تغيير وجهاتهم.
وفي هذا السياق، أفاد مهتمون بالشأن السياحي بالمنطقة بأن أساليب "الشناقة" لم تعد تقتصر على احتلال المدارات الطرقية ومداخل المدن الساحلية حاملين المفاتيح، بل انتقلت بقوة إلى "الاحتكار الرقمي" عبر منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات التراسل الفوري، حيث يتم عرض شقق بأسعار خيالية بناء على صور مفبركة أو مأخوذة من إقامات فاخرة، ليصطدم الزبون عند وصوله بواقع مغاير تماماً. ويرى متتبعون أن الإشكال الحقيقي يكمن في "سلسلة الوساطة المتعددة"، إذ تمر الشقة الواحدة أحيانا عبر ثلاثة أو أربعة سماسرة قبل أن تصل إلى المكتري النهائي، وكل وسيط يضيف هامش ربحه الخاص، مما يرفع السعر من 400 درهم لليلة الواحدة إلى أزيد من 1200 درهم في ذروة الصيف، دون أي مراعاة لجودة الخدمات أو البنية التحتية للمسكن.
وفي جولة استطلاعية لجريدة "أخبارنا" لاستقاء آراء المواطنين بمدينة طنجة، بوابة الشمال، عبر سعيد (45 سنة، مستخدم في القطاع الخاص)، عن تذمره قائلاً: "المشكل مابقاش غير في غلاء الأسعار، بل في العشوائية وقلة الاحترام اللي ولينا كنشوفوها في المدارات ومداخل المدينة. هاد الشناقة كيتعاملو مع المصطاف كأنه فرصة للاغتناء السريع، كيجيب عائلتو من مدن داخلية باش يرتاح، كيلقى راسو في دوامة ديال المساومة والابتزاز، والشقة اللي كتسوى في الأيام العادية 300 درهم، كتولي بقدرة قادر بـ 1000 درهم.
من جانبه، يسلط محمد.م (38 سنة، مقاول شاب بطنجة)، الضوء على البعد الرقمي للأزمة قائلا: بصفتي من أبناء المدينة، وليت كنحشم من بعض السلوكات. الشناقة مابقاوش غير في الشارع، ولاو شادين منصات التواصل الاجتماعي وكيديروا احتكار رقمي؛ كيكريو إقامات كاملة من أصحابها في شهر ماي ويونيو، وكيتحكموا في السوق السوداء كيف بغاو. هادشي كيطيح بقيمة السياحة الداخلية، والناس ولات كتفضل تمشي لإسبانيا أو تركيا حيت الأثمنة تما واضحة ومقننة ومكاينش اللي يبتزك في رزقك.
بينما يرى عبد السلام (52 سنة، أستاذ بالقطاع العام)، أن الإشكال يتجاوز ما هو مالي إلى ما هو تنظيمي وأمني، مؤكدا أن "الفوضى ديال كراء الصيف مفيهاش غير ضرر مادي، بل فيها حتى مخاطر أمنية. هاد الكراء العشوائي كيمر بلا عقود وبلا تسجيل هويات النزلاء، وهادشي كيسائل السلطات المحلية والشرطة الإدارية. من جهة أخرى، خزينة الدولة والمجالس المنتخبة مكاتستافد والو من هاد الملايين اللي كتدور في السوق الموازية.
ولا تتوقف تداعيات الظاهرة عند استنزاف القدرة الشرائية للمصطافين، بل تمتد لتضرب في العمق تنافسية السياحة الداخلية؛ إذ يسجل فاعلون اقتصاديون أن هذه الأنشطة العشوائية تفوت على خزينة الدولة والمجالس الترابية مداخيل ضريبية هامة، بالنظر إلى أن ملايين الدراهم تروج في "السوق السوداء" للإيواء الصيفي خارج أي مراقبة جبائية، فضلاً عن غياب تتبع الهويات من طرف المصالح المختصة التي تضمن سلامة وتأمين الإقامات المخصصة للاصطياف.
وأمام هذا الوضع الذي يتكرر كل سنة، تطالب فعاليات مدنية وحقوقية بجهة الشمال بضرورة تدخل حازم من لدن السلطات المحلية والوزارة الوصية على القطاع لتقنين الكراء الموسمي، عبر فرض تراخيص إجبارية وتحديد أسعار استرشادية تراعي المعايير الجغرافية والخدماتية لكل شقة. كما شدد الفاعلون على أهمية تفعيل دوريات الشرطة الإدارية لمحاربة ظاهرة "أصحاب المفاتيح" بالشوارع العامة لما تسببه من عرقلة لحركة السير وتشوية للمنظر العام، مع تشجيع الملاك على الانخراط في منصات رقمية رسمية وموثوقة تقطع الطريق أمام الوسطاء والمضاربين، ضمانا لعدالة سياحية تحمي جيوب المواطنين وتصون جاذبية الشمال المغربي.
