في زمن الرقمنة.. لماذا يُجبر المريض المغربي على لعب دور "الوسيط" بين الأطباء والصيدليات وشركات التأمين؟

في زمن الرقمنة.. لماذا يُجبر المريض المغربي على لعب دور "الوسيط" بين الأطباء والصيدليات وشركات التأمين؟

في الوقت الذي لم يعد فيه الذكاء الاصطناعي مجرد ترف تكنولوجي، بل أصبح حاضرا في كل المجالات الحيوية، بما فيها الطب والتشخيص وتدبير الملفات الصحية، ما يزال المواطن المغربي يصطدم بواقع إداري يبدو وكأنه ينتمي إلى زمن آخر، كلما اضطر إلى زيارة الطبيب واقتناء الأدوية والاستفادة من التعويضات الصحية. فرغم أن الطبيب يحرر وصفته عبر الحاسوب، والصيدلي يعتمد نظاما معلوماتيا لتدبير مبيعاته، وشركات التأمين تتوفر على برامج متطورة، يجد المريض نفسه مضطرا في كل مرة إلى جمع الوصفات والفواتير وتقطيعها ولصقها وترتيبها داخل ملف ورقي، قبل إيداعه وانتظار أسابيع، وأحيانا أشهرا، لاسترجاع مصاريف العلاج. وهي مفارقة تطرح تساؤلات حول أسباب استمرار هذه المساطر الادارية المعقدة والمرهقة في زمن أصبحت فيه الرقمنة عنوانا لتبسيط الخدمات.

هذا الواقع يثير استياء عدد من المواطنين، الذين يتساءلون، في تدوينات وتعليقات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، عن الجدوى من الإبقاء على كل هذه التعقيدات الإدارية، بينما أصبحت أبسط المعاملات المالية والخدماتية تنجز إلكترونيا. ويتساءل متفاعلون: كيف يعقل أن يضطر المريض إلى جمع الفواتير وتقطيعها ولصقها، في حين تتوفر جميع الأطراف المعنية على أنظمة معلوماتية متطورة؟ ولماذا يتحول شخص أنهكه المرض وتكاليف العلاج إلى  موظف إداري او وسيط يتكفل بإعداد ملف التعويض وملاحقة وثائقه، بدل أن تتولى التكنولوجيا اختصار هذه الإجراءات؟

ولا تتوقف الإشكالية عند هدر الوقت والجهد، بل تشمل أيضا احتمالات ضياع الفواتير أو تلفها، وتأخر الملفات أو رفضها لأسباب شكلية، فضلا عن تكاليف الطباعة والأرشفة والمراقبة اليدوية التي تتحملها شركات التأمين نفسها.

 وفي المقابل، نجحت دول عديدة في تجاوز هذا النموذج الورقي عبر ربط مختلف المتدخلين في المنظومة الصحية. ففي فرنسا مثلا، تتيح البطاقة الصحية "Carte Vitale" توثيق الخدمات العلاجية وإرسال المعطيات اللازمة لمعالجة التعويضات إلكترونيا، بينما تعتمد السويد والدنمارك الوصفات الطبية الرقمية التي تسمح للمريض بالحصول على دوائه دون حمل وصفة ورقية. أما إستونيا، فقد طورت نظاما موحدا للملفات الطبية يتيح تبادل المعطيات بين المهنيين الصحيين وفق ضوابط حماية الخصوصية، في حين اعتمدت الإمارات منصات رقمية تربط مقدمي الخدمات الصحية بشركات التأمين لتبادل الفواتير والمطالبات إلكترونيا.

وأمام هذه التجارب، يبدو أن المغرب بحاجة إلى تسريع تحديث مساطر التعويض عن الأدوية والعلاجات، من خلال تعميم الوصفة الطبية الإلكترونية وإحداث منصة وطنية تربط الأطباء والصيادلة والمختبرات وشركات التأمين، بما يسمح بتسجيل الفواتير ومعالجة طلبات التعويض رقميا، وتحويل المستحقات مباشرة إلى الحسابات البنكية للمؤمن لهم. وهو توجه من شأنه أيضا تقليص التكاليف ومحاربة التلاعب وتخفيف الأعباء الإدارية عن الصيادلة، الذين يضطرون أحيانا إلى تخصيص وقت لترتيب الوثائق بدل التفرغ لخدمة المرضى.

فالمواطن لا يطالب بمعجزة تكنولوجية، وإنما بخدمات تحفظ وقته وكرامته وتضع حدا لمساطر لم يعد لها ما يبرر استمرارها بصيغتها الحالية. فهل يعقل أن يتحدث المغرب عن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي ورهانات 2030، بينما ما يزال المريض مطالبا بحمل "الضوصي" تحت إبطه، وتقطيع الفواتير ولصقها، لاسترجاع مصاريف علاجه؟


أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.