أخبارنا المغربية – عبدالإله بوسحابة
تحولت الليلة التي كانت مدينة آسفي تنتظرها بفخر وحماس إلى فضيحة مدوية هزت الكرة الإفريقية، بعد أن أقدمت جماهير اتحاد العاصمة الجزائري، مساء الأحد، على تنفيذ أعمال شغب خطيرة داخل ملعب المسيرة، في محاولة مكشوفة لنسف أجواء مباراة إياب نصف نهائي كأس الكونفدرالية الإفريقية، وحرمان الفريق المغربي من خوض المواجهة في ظروف رياضية طبيعية.
ما جرى لم يكن مجرد انفلات جماهيري عابر، بل بدا أشبه بسيناريو مدبر بعناية، تقف خلفه العقلية العدائية التي يدير بها نظام العسكر الجزائري كل ما له صلة بالمغرب، حتى ولو تعلق الأمر بمباراة في كرة قدم يفترض أن تسود فيها الروح الرياضية والتنافس الشريف. فكلما واجه طرف جزائري نظيره المغربي، إلا ويحاول هذا النظام المأزوم تحويل الحدث الرياضي إلى منصة للفوضى والاستفزاز وتصفية العقد السياسية.
وقبل دقائق قليلة من صافرة البداية، انطلقت الشرارة الأولى من المدرجات المخصصة لأنصار إتحاد العاصمة، بعدما شرع العشرات منهم في رشق الجماهير المغربية بوابل من القنينات والمقذوفات، مع إشعال الشهب الاصطناعية بشكل هستيري، في مشاهد زرعت الرعب وسط العائلات والأطفال، وحولت مدرجات ملعب المسيرة إلى ساحة هلع وفوضى.
ولأن المخطط كان أكبر من مجرد شغب عادي، فقد تطور الوضع سريعاً إلى مرحلة أكثر خطورة حين اقتحم عدد من الجماهير الجزائرية أرضية الملعب، في سلوك إجرامي يهدد سلامة اللاعبين والجماهير والمنظمين، ويؤكد أن الهدف الحقيقي كان توقيف المباراة وإغراقها في الفوضى. هذا الاستفزاز الخطير فجّر ردود فعل غاضبة من بعض أنصار أولمبيك آسفي الذين وجدوا أنفسهم أمام مشاهد غير مسبوقة.
وفي الوقت الذي كان فيه الوضع ينذر بكارثة حقيقية، تدخلت القوات العمومية المغربية بحزم واحترافية عالية، وتمكنت من السيطرة على الانفلات، وتفريق مثيري الشغب، وإعادة النظام إلى المدرجات، لتنقذ بذلك سمعة التنظيم المغربي وتمنع انهيار الحدث بالكامل. وبسبب هذا العبث، تأخرت المباراة بحوالي ساعة وعشرين دقيقة عن موعدها الرسمي.

كل المؤشرات كانت تؤكد أن ما وقع لم يكن وليد اللحظة، بل خطة معدة سلفاً. فقد ظهر عدد كبير من الجماهير الجزائرية وهم يرتدون أقنعة (كاكولات) في محاولة لإخفاء هوياتهم وتفادي كاميرات المراقبة، وهو دليل كاف وواضح على نية مسبقة لارتكاب أعمال تخريبية ثم الإفلات من العقاب. كما أن تزامن الرشق الجماعي للمقذوفات مع اقتحام أرضية الملعب يكشف وجود تنسيق منظم، وليس مجرد انفعال عفوي كما يحاول البعض تسويقه.
الأخطر من ذلك أن هذه الفوضى اندلعت في توقيت حساس للغاية، قبل مباراة هي الأهم في تاريخ أولمبيك آسفي قارياً، ما يجعل كثيرين مقتنعين بأن الهدف كان ضرب تركيز الفريق المغربي، وحرمانه من أفضلية اللعب وسط أجواء داعمة، وإرباك اللاعبين نفسياً قبل صافرة البداية. وهو ما تحقق جزئياً بعدما وجد أبناء آسفي أنفسهم مضطرين لخوض مباراة مصيرية وسط أجواء مسمومة وغير طبيعية.
داخل الميدان، استغل الفريق الجزائري هذا الارتباك ليسجل هدف السبق في الأنفاس الأخيرة من الشوط الأول من ركلة جزاء، بينما قاتل أولمبيك آسفي في الجولة الثانية بكل شراسة وعاد في النتيجة عبر موسى كوني في الدقيقة 75، لكن الوقت لم يكن كافياً لإضافة هدف التأهل، لتنتهي المواجهة بالتعادل الإيجابي هدف لمثله، وهي نتيجة منحت اتحاد العاصمة بطاقة العبور إلى النهائي مستفيداً من قاعدة الهدف خارج الميدان.
بعد نهاية اللقاء، فجّر حارس أولمبيك آسفي يوسف مطيع قنبلة مدوية، حين أكد بوضوح أن جماهير اتحاد العاصمة كانت تخطط لاقتحام الملعب وتوقيف المباراة، قائلاً: "الجمهور ديال اتحاد العاصمة كان باغي يوقف الماتش وخطط لاقتحام الملعب"، في تصريح مباشر فضح ما حدث وكشف أن الأمر لم يكن صدفة أو مجرد انفلات عابر.
ولم يكتف مطيع بذلك، بل وجه رسالة قوية حول ضرورة المعاملة بالمثل، حين قال: "ما تعلمناش من كأس إفريقيا... ونتمنى من المغاربة يفيقو، هدشي راه بزاف"، في إشارة إلى تكرار مثل هذه السلوكات دون رد حازم. كما أضاف بنبرة غاضبة: "ما يمكنش تبقى تجي عندي ونستقبلك بالبرارد ديال أتاي والبوسات والتمر والحليب، وحنا فاش مشينا لتما كلسونا ساعتين فالمطار وخداو لينا الباسبورات"، في مقارنة واضحة بين حسن الاستقبال المغربي والتضييق الذي تعرض له الفريق المغربي في الجزائر.
تصريحات مطيع لم تكن مجرد انفعال بعد الإقصاء، بل شهادة من داخل الميدان تفضح ما يدور خلف الستار، وتؤكد أن الطرف الجزائري ما زال يتعامل بعقلية عدائية لا تعرف معنى المنافسة الشريفة، وتستعمل الرياضة أداة للتشويش والاستفزاز بدل التقارب بين الشعوب.
اليوم، يجد الاتحاد الإفريقي لكرة القدم نفسه أمام فضيحة مكتملة الأركان، وأمام مسؤولية تاريخية لا تقبل التهرب. فإما فتح تحقيق عاجل وترتيب عقوبات قاسية في حق المتورطين، أو الاعتراف الضمني بأن مسابقاته أصبحت مرتعاً للفوضى والبلطجة وتدخل الأنظمة السياسية.
أما أولمبيك آسفي، فقد غادر المنافسة مرفوع الرأس بعد مشوار بطولي، بينما خرج نظام العسكر الجزائري مرة أخرى عارياً أمام الجميع، بعدما أكد للعالم أنه عاجز عن تحقيق الانتصار داخل الميدان دون اللجوء إلى أساليب الفوضى والتخريب. والخاسر الأكبر في النهاية هو صورة الكرة الإفريقية، التي ما زالت رهينة عقلية متجاوزة لا تؤمن إلا بالمؤامرات وصناعة الأزمات.

