وفد عسكري أمريكي رفيع المستوى يحل بميناء الداخلة.. هل دخل الاعتراف بمغربية الصحراء مرحلة التجسيد الميداني؟

وفد عسكري أمريكي رفيع المستوى يحل بميناء الداخلة.. هل دخل الاعتراف بمغربية الصحراء مرحلة التجسيد الميداني؟

في زيارة تختزل كثيرا من الرسائل السياسية والأمنية، حل وفد عسكري أمريكي رفيع المستوى بميناء الداخلة الأطلسي، في خطوة تكتسي أهمية استراتيجية لافتة، بالنظر إلى طبيعة الوفد وسياق الزيارة وموقع الداخلة المتقدم في الحسابات الجيوسياسية للمغرب والولايات المتحدة. فالحدث لا يتعلق بمجرد محطة ميدانية لمسؤولين عسكريين أمريكيين، بقدر ما يفتح الباب أمام قراءة أوسع لمستقبل الشراكة الاستراتيجية بين الرباط وواشنطن، وللمكانة التي باتت تحظى بها الأقاليم الجنوبية للمملكة ضمن الرؤية الأمريكية للأمن والاستقرار بمنطقة الأطلسي وإفريقيا.

وفي قراءة تحليلية لهذه الزيارة، اعتبر الدكتور محمد الطيار، الباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية ورئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، أن الحضور العسكري الأمريكي الميداني في الداخلة يمثل مؤشرا بالغ الدلالة، معتبرا أنه يجسد عمليا الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، وينقل هذا الموقف من مستوى التصريحات والمواقف السياسية إلى مستوى الحضور والتفاعل الميداني على أرض الواقع.

ويرى الطيار أن الزيارة تعكس، في الوقت نفسه، عمق الشراكة الدفاعية بين المغرب والولايات المتحدة، خاصة أن النقاشات الميدانية المرتبطة بميناء الداخلة تلامس ملفات ذات حساسية استراتيجية، وفي مقدمتها الأمن البحري وحماية خطوط الملاحة الدولية، في منطقة باتت تحظى بأهمية متزايدة ضمن الحسابات الأمنية الأمريكية والأطلسية.

ومن المنظور الجيوسياسي، يعتقد الباحث أن ميناء الداخلة الأطلسي لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد مشروع اقتصادي ضخم، بل باعتباره منشأة استراتيجية مرشحة لتعزيز حضور المغرب على الواجهة الأطلسية، وربط الأقاليم الجنوبية بالعمق الإفريقي، خصوصا دول منطقة الساحل، بما يمنحه مستقبلا وظيفة لوجستية واقتصادية وأمنية ذات أبعاد إقليمية واسعة.

كما يندرج هذا المسار، وفق الطيار، ضمن دينامية التنسيق مع القيادة الأمريكية في إفريقيا "أفريكوم"، بما يسمح بتعزيز آليات مراقبة التهديدات المتنامية في الممرات البحرية والمناطق المحاذية للساحل، فضلا عن الاطلاع المباشر على القدرات العملياتية التي تعتمدها القوات البحرية الملكية في تأمين السواحل الجنوبية للمملكة.

ولا تتوقف أهمية الزيارة عند حدود الأمن والدفاع، إذ يرى الطيار أن الحضور الأمريكي بهذا المستوى يبعث أيضا برسائل طمأنة إلى المستثمرين الدوليين والشركات الكبرى، ويعزز صورة المنطقة باعتبارها فضاء آمنا ومستقرا وقادرا على استقطاب استثمارات مرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية.

وتكتسب هذه الرسالة بعدا إضافيا في ظل الرهانات الاقتصادية المرتبطة بميناء الداخلة الأطلسي، خاصة في مجالات الطاقة المتجددة واللوجستيك والهيدروجين والأمونيا الخضراء، وهي قطاعات يعول عليها المغرب لتكريس موقع أقاليمه الجنوبية كمنصة اقتصادية جديدة تربط أوروبا بإفريقيا والأسواق الأطلسية.

وهكذا، فإن زيارة الوفد العسكري الأمريكي إلى الداخلة، بحسب قراءة الدكتور محمد الطيار، تبدو أكبر من مجرد محطة ضمن برنامج عسكري، فهي تعكس تداخل ثلاثة مسارات استراتيجية في آن واحد: ترسيخ الحضور الأمريكي في قضية الصحراء، وتعزيز الشراكة الأمنية مع المغرب، ودعم التحول التدريجي للداخلة إلى منصة أطلسية ذات امتدادات إفريقية ودولية. وهو ما يجعل من ميناء الداخلة الأطلسي مشروعا اقتصاديا، لكن أيضا ورقة جيوسياسية تتعاظم قيمتها مع اقتراب موعد دخوله مرحلة التشغيل.


أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.