الشرطة العلمية تدخل على الخط.. صاحب مقهى بطنجة يحكي تفلصيل تعرضه لسرقة مبلغ مالي بطريقة هوليودية

أسرة مصرية تعرب عن انبهارها بجمال المغرب وتشكر المغاربة على حُسن الضيافة والاستقبال

المنتخب السوداني يصل طنجة استعدادا لمواجهة المنتخب السينغال

روينة البوناني بكازا .. شجار عنيف قرب ماكدونالدز ومجهولون يرمون شخصاً من قنطرة بحي التيسير

شاهد كيف أمنت العناصر الامنية بوجدة مداخل المدينة والطرق المؤدية للحدود الجزائرية ليلة رأس السنة

الصرامة وتوقيف المخالفين للقانون.. أمن طنجة يؤمن المواطنين ليلة رأس السنة بخطة محكمة

يوميات بطالي...

يوميات بطالي...

عبد السلام أقصو

 

لا حيلة مع القدر سوى التجلد و الصبر، و توالى الأيام و الليالي في دورانها المستمر، حسب مقادير رسمها القدير، و يستمر دوران البطالي في مكانه المعتاد ، وتستمر المعاناة ، بين المنية ، والفتاة البهية ، و الميزيرية ، معاناة شاءت الأقدار أن يعيشها البطالي ، بأدق تفاصيلها ، ساعة بساعة يوما بعد يوم ، تحت ضغط الحقيقة الراسخة ، «البطالة شبح يهدد المجتمع المغربي» .

كان الحديث في الماضي عن شهادة الباكالوريا و ما لها من قدسية وشرف للحاصل عليها ، كما هو الشأن لباقي الشهادات و الدرجات العلمية ، أملا في شغل منصب محترم في الوظائف العمومية أو في إحدى الشركات الخاصة، درجات علمية التي صارت اليوم العامل الأساسي والسبب الرئيسي في مكوث البطالي في مقره الرئيسي و المعتاد ، «رأس الدرب»، يقتل الوقت بين تتبع عورات و مؤخرات الشابات هذي طالعة و هذي نازلة ، مسليا نفسه بإطلاق بعض القشفات والضحكات « الزين مخطوب ولا يساين فالمكتوب» ، وبين الغيبة و النميمة ، تجد في جعبته كل الأخبار.

ابتسم البطالي، وزادت خداه وسامة ، لحظة وصول ، بنكيران إلى سدة الحكم ، نظرا لحجم الوعود التي يقدمها الرجل خصوصا في خلق مناصب شغل جديدة، إلا أن الذي لم يكن في حسبان البطالي ، أن يعيره بنكيران بقوله «المعطلين عندهم خلل في الدماغ» ، لم يستطع حينها أن يتمالك أعصابه ، «عيرني ببطالتي ، وقلبي به الدمار ، أجزء أنا من ذا الشعب ، أم سمة العار»، أدرك البطالي ألا شيء ، قادم مع ذا الرجل ، ليعزم على التفكير، ليعود للجولان على أبواب ، المعامل و المصانع و المحلات التجارية ، لم يترك بابا إلا و طرقه ، بحثا عن عمل شريف ، منذ حلول الصباح إلى المساء ليعود بخفي حنين ، ورغم هذا و ذاك فكله أمل أن يرن الهاتف ، و يستبشر بخبر سعيد ، بحصوله على وظيفة  أو شغل، إلا أن شيئا لم يكن ، الكل ينشر فشله على الأزمة الاقتصادية.

يفكر البطالي في جميع المخارج ، للحصول على مورد رزق قار أو مؤقت المهم الخروج من العسر المادي ، «حتى يحن الله»، ليخمن في فرضية مراسلة عامل المدينة، لعل و عسى يفتح له من الملفات ، ما فتح لسابقيه من البطاليين، و بالتالي يسلمه بقعة من أرضية صغيرة يبني عليها كشك ، يقيم فيه بداية تجارة صغيرة، و إن اضطر إلى الاقتراض ، إلا أن المراسلة الأولى و الثانية والثالثة، لم يكن منها أي جواب ، لربما يكون مصيرها نفس مصير «السيفيات CV» ، القمامة ، أو كأوراق التلفيف عند بائعي ، حبات عباد الشمس ، (الزريعة) ، أدرك البطالي حينها القاعدة العامة التي تقول «شحال عندك ، شحال تسوى»، وعلم أنه لا يسوى شيئا في وطن تنقسم الوطنية فيه درجات.

لم يفقد البطالي الأمل بعد ، ولا زال متشبثا، بحلمه «الحصول على عمل» ، لم يكن يحضا بوقت كافي للتفرج على شاشة التلفاز لانشغاله بالجولان على أبواب و مقرات الشركات ، التي يستضيفه فيها غالبا رجال الأمن الخاص ، البعض منهم لا يكلف نفسه عناء إيصال سيرته الذاتية إلى مكتب المسئول عن الموارد البشرية.

ذات يوم لم يغادر البطالي الفراش ، استغرق في نومه في الصبيحة بأكملها ، ولم يقم ليراقب الأجواء بالخارج ، «رأس الدرب» كما هو معتاد ، بل ظل يشاهد التلفاز، إلى أن وقف على برنامج يساعد الشباب في الحصول على وظيفة ، ظل يتابع عن كتب، ما يتداول في البرنامج ، ويحاول الاستفادة من أخطائه ، بل يقيد كل ما أثار انتباهه خصوصا فيما يتعلق بالسيرة الذاتية ، ليعاود ترميم بنيانها و إعادة تصحيح أخطائه ، كان للبطالي ما أراد، السيرة الذاتية ، أضحت جاهزة ، ربما يكون الفرج هذه المرة ، بدأ بالتجوال بها على أبواب الشركات و المعامل و المصانع و المحلات التجارية ، إلا أن شيئا لم يتغير، «منحوس، منحوس ولو على رأسه فانوس » .

عاد البطالي إلى رأس الدرب ، ليمارس نشاطه المعتاد بعد أن مل التجوال بدون أي فائدة تذكر، بين الفينة و الأخرى ، يقصد إحدى النقط ، تلتقط إشارات شبكة ويفي قريبة ، يستغلها في ربط الاتصال بالعالم الآخر، يتصفح حسابه على القارة الزرقاء ، و يتصفح أيضا مواقع الوظائف لعل و عسى أن تأتي بالجديد، تراه يبتسم ثارة ، و يتأفف و يتذمر ثارة أخرى ، يبتسم و يضحك عندما يرى عروض شغل بمعايير منطقية ، و يتذمر عندما يرى عرضا للشغل يستهزئ من الشباب العاطل ، عن طريق وضع إعلانات و عروض مستفزة ، خصوصا عندما يطلب المشغل مواصفات نادرة التوفر في البطالي، بما في ذلك سنوات التجربة المهنية التي تفوق الخمس سنوات، و التي يستثنى منها أشهر التدريب ، (التدريب ماشي خدمة ؟؟ ) ، خصوصا و البطالي لم يسبق له أن اشتغل .

لم يستطع البطالي أن يبقى مكتوف الأيدي دون أي بديل يذكر ، بل حاول أن يبدأ بتجارة صغيرة ، «فراشة» ، قد تفي بالغرض ، تجلب مصروفا يوميا شبه قار، إلا أن الأمر لم يدم طويلا خصوصا بعد أن وصلت قضيته بالوشاية ، إلى السلطات المحلية التي باشرت الدورية ، أجبرته على حمل أغراضه من سلعة قليلة ، و إلا سيرافقها إلى قصر البلدية ، و يؤدي عنها غرامة مالية ، ( استغلال الملك العام بدون ترخيص).

عاود الكرة، هذه المرة قاصدا رئيس المجلس البلدي، خصوصا و اقتراب الانتخابات المحلية، المهم أن هذا الأخير وعده بالتوسط له للحصول على محل تجاري (كشك ) لخلق مشروع تجاري صغير، وعود مرت عليها الشهور ، ليدرك البطالي أنه تعرض فقط لإحدى الخدع السياسية البسيطة «الصابونة».

يعود أدراجه إلى البيت خائبا، و في كل مرة، يصاب بهلع تبرد معه أطرافه ، عندما يسمع صوت رنين الهاتف ، حينها تبدأ أفكار عن هوية المتصل تتسرب إلى ذهنه ، ربما الشركة الفلانية ، ربما عرض الشغل الذي سبق و راسلته ، ربما ANAPEC، ليجدها رسالة من شركات الاتصال تدعوه إلى التعبئة، تأتيه أحيانا رغبة أكيدة في كسر الهاتف و التخلص منه خصوصا عندما تتكلم عن 20 درهم و 25 درهم وهو لا يملك منها شيئا.

دور الفشل في اجتياز مباريات التوظيف، و الفشل في الحصول على عمل كيفما كان نوعه، و الدور الريادي في مقره الرئيسي «رأس الدرب»، جعله ينحاز إلى التفكير في الاستفادة من الوقت الشاسع الذي يملكه ، بتحرير مقالات أدبية و صحفية ، ربما يكون لها الوقع الإيجابي ، في التغيير على مستوى الحي، ومحيطه  في المدينة ، نظرا لتوفره على صبيب انترنت مجاني لمعرفة البطالي بأماكن نقط «ويفي» و «كلماتها السرية». 

البطالي صار ، صاحب صفحة على موقع التواصل الاجتماعي ، يضع فيها جديد مستجدات ساحته ، و ما يدور في مقره و محيطه ، ويدرج فيها عصارة أفكاره ، بل انخرط مع مواقع إعلامية كمراسل صحفي ، يعمل على تغطية ، الأحداث و الوقائع ، و الأنشطة الفنية و الثقافية و الرياضية والسياسية ، وبعد أن كان يقصد العمالة من أجل وضع طلب استعطاف للحصول على محل تجاري ، صار إلى اليوم يقصدها للأخذ بآراء مسئوليها في مواضيع عدة، صارت للبطالي بطاقة صحفية ، وصارت له وظيفة في المجتمع، بعد أن أمسكت السماء عن العطايا و المنن ، ولم تعد تمطر وظائف، وصارت حينها «الصحافة مهنة من لا مهنة له» ، و من خلالها أدرك ، أن الذي عيره بالأمس ، لم تكن خطاباته وخطابات معارضته سوى ، ضرب من السفاهة، ، بقول الشاعر (إذا نطق السفيه فلا تجبه --- فإن خير جوابه السكوت)، ودليلا على تدني المشهد السياسي و من تم قراءة الفاتحة على المصلحة العليا للوطن ، لما صارت الحكومة و المعارضة تطلب التحكيم الملكي .

وفي كل ليلة يردد البطالي ما كتبه ذات يوم من ابتهالات ودعاء و مناجاة لرب السماء أن يمنن بعفوه و جوده وكرمه عليه و على إخوانه، بجميل عطائه و عظيم إحسانه، ينشد قائلا:

يا ألله يا مبدل الأحوال 

و يا عالم ما في البال 

أنت الرحيم و أنت الرحمان 

لا شيء عندك اسمه محال 

اعف عن كل بطالي 

و حقق له كل الآمال 

حتى يصير عبدا صالحا مرتاح البال ...   

 


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
المقالات الأكثر مشاهدة