خالد التاج
لقد تمكنت المعارضة من قيادة حملة إعلامية انتصار تكتيكي على ابن كيران، وقد توج ذلك بالفعل بإرغام رئيس الحكومة عبد الإله ابن كيران على التخلي على الوزيرين المثيرين للجدل السيدة سمية بنخلدون و السيد الحبيب الشوباني بالإضافة إلى السيد الكروج في سابقة من نوعها في تاريخ الحكومات المغربية ، الشيء الذي أرغم رئيس الوزراء على إجراء تعديل حكومي هو الثالث من نوعه وبالتالي إعادة حساباته من جديد ، لكن هل يمكن القول بأن هذا التعديل يعتبر إنجازا حقيقيا لقوى المعارضة السياسية خصوصا وأن رئيس الحكومة يعتبرها نقدا ذاتيا لحزبه و جرأة في احتواء الوضع ؟
الوقائع و المعطيات تشير إلى أن الهدف الاستراتيجي يبقى هو رأس ابن كيران وليس وزيريه في الحكومة فقط ، حيث تقود قيادات بعض الأحزاب السياسية المعارضة ولا سيما السيد ادريس لشكر و السيد حميد شباط حملة غير مسبوقة ومعلنة تهدف أساسا إلى إسقاط حكومة ابن كيران ، وهي حملة ليست جديدة حقيقة ، بل كانت إرهاصاتها منذ صعود السيد شباط إلى دفة قيادة حزب الاستقلال و نجاحه في إزاحة عبد الواحد الفاسي و تياره عن المشهد الحزبي الاستقلالي، الشيء الذي فتح شهيته إلى محاولة تكرار نفس التجربة مع السيد ابن كيران و حكومته ، وقد كانت بالفعل محاولته الأولى و التي شكلت ضربة موجعة إلا أنها لم تكن قاسمة ، حيث تجلت في خروجه من الائتلاف الحكومي سنة 2013 بدعوى وجود تناقضات في البرنامجين السياسيين للحزبين الرئيسيين واستحالة استمرار العمل مع بن كيران ، أما الهدف الحقيقي من وراء ذلك والغير المعلن يظل لحد الساعة غير معروف، غير أن طموحه كان واضحا منذ البداية ويتمثل أساسافي إفشال هذه التجربة السياسة وإسقاط الحكومة وبالتالي إجراء انتخابات تشريعية مبكرة مما يمهد الطريق أمامه لتبوء المرتبة الأولى و قيادة تحالف حكومي جديد و بديل ، مرتكزا على تنسيقه مع بعض الحلفاء خصوصا من الاتحاديين وبعض قوى اليسار بشكل عام و ربما حزب الأصالة و المعاصرة ، غير أن حنكة و حكمة النخبة السياسية ومعظم الأحزاب السياسية المغربية سواء من معارضين أو موالين قد فطنت مبكرا إلى خطورة هذا الخيار و مدى خطورته على التوافق و السلم و الديمقراطية التي شقت طريقها في المغرب بخلاف معظم الدول العربية .
وحقيقة أن حلم إسقاط الحكومة لا يستند إلى أساس واقعي أو إخفاق حقيقي لأداء التحالف الذي يقوده بن كيران ولا يستدعي فعلا تحكيم ملكي أو حجب الثقة من قبل البرلمان، و لو كان هناك من داع لذلك لشهدنا بالفعل مظاهرات في الشوارع و إضرابات نقابية عامة و ما إلى ذلك على غرار ما كان يحدث إبان حكومة عباس الفاسي وعلى الرغم من بعض القرارات المؤلمة والغير الشعبية التي اتخذتها حكومته و المتمثلة في تحرير أسعار المحروقات و الزيادات في أسعار الكهرباء وبعض الموادالاستهلاكية، ومن الواضح أنه حتى بعض الأحزاب المعارضة للحكومة قد فطنت لذلك و بدأت تقتنع بعدم جدوى الخوض في مثل هذه السجالات العقيمة والتي قوت من موقف بن كيران أكثر مما أضعفته ، ونخص بالدكر هنا حزب الأصالة و المعاصرة ، خصوصا بعد إجراءه لما يشبه التقييم و النقد الذاتي ، بعد مروره من أزمة داخلية كادت تعصف بوجوده وبعد سلسلة الانتقادات الحادة التي وجهت لأدائه، غير أن انتخاب السيد مصطفى الباكوري يبدو أنه كان موفقا إلى حد ما ،حيث أن مستوى خطابه السياسي على الأقل يبدو أكثر عقلانية و أكثر اتزانا ومائلا إلى المعارضة البناءة ويبدو كذلك أن لديه القدرة على انتشال حزبه و إعادة وضعه في السكة الصحيحة ، في أفق خوض الانتخابات الجماعية المقبلة في سبتمبر 2015 بكل أريحية ، غير أن ما يجعلنا نتساءل هو هل الوضع الحالي لحزب الاتحاد الاشتراكي يسمح بخوض معارضة شرسة تحقق آمال السيد لشكر وحليفه حميد شباط في اسقاط الحكومة و إعادة تشكيل تحالف جديد ؟، الواضح أن المعطيات على الأرض تكذب ذلك ، خصوصا في ظل فقدان الحزب للكثير من رصيده و شعبيته وفي ظل الانشقاقات الداخلية التي خلفت لنا مولودا جديدا محسوبا على اليسار وخارجا من رحم الاتحاد الاشتراكي صاحب الرصيد النضالي المهم والتاريخي ، وفي ظل التناقضات الكثيرة الموجودة لدى قيادييه ، وفي ظل اختفاء بعض العقلاء مثل الزيديوبوعبيدعن المشهد ، وأيضا في ظل نتائج استقراءات الرأي الأخيرة التي أوضحت أن شعبية ابن كيران لا زالت بعافية ، الشيء الذي زاد من حماسته لمواصلة التحدي ومواصلة تنزيل برنامجه الحكومي وكذلك صمود ائتلافهالمشكل من باقي الأحزاب الموالية .
كمغاربة لا يهمنا كثيرا بقاء ابن كيران من عدمه كشخص أو كوزير أو كحزب سياسي، ولكن يهمنا نجاح التجربة الديمقراطية المغربية التي شكلت بالفعل صمام أمام للمغاربة و استحق بها المغرب بجدارة لقب الاستثناء في محيط إقليمي و دولي شديد الحساسية و التوتر، وما يهمنا أيضا في هذا الصدد هو عدم تكرار تجربة السيسي و ثورته المسماة ب 30 يونيو والتي شكلت مصدر إلهام على ما يبدو للسيدين لشكر و شباط حيث لم يدخرا جهدا في دعوة غريمهما السياسي في ضرورة أخد الدروس و العبر مما يجري في مصر عبر كيل الاتهامات الجزافية والشيطنة ، محاولين عبر مختلف الوسائل تكرار نفس التجربة والتي تشكل كابوسا للعديد من المتتبعين ، والحمد لله أن المغرب قد قطع أشواطا مهمة في ترسيخ قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان و التسامح وبشهادة العديد من الأطراف الدولية والهيئات التي أشادت بتجربته الفتية و بحس التوافق لدى أبناءه ونخبه و بمؤسسته الملكية الضامنة للاستقرار وبطريقة تعاطيه مع ما عرف بالربيع العربي في أكثر من مناسبة ، و قد تجسد ذلك أيضا من خلال إقرار دستور2011 و الذي أجمع عليه المغاربة وما يحمله من مكتسبات ، وعبر إرساء منظومة تشريعية و مؤسساتية مهمة من شأنها ترسيخ هذه الثقافة . المغرب و المغاربة قد انخرطا بشكل جدي في هذا المسلسل و لا يمكن بأي شكل من الأشكال التراجع عنه .
غير أن السيد شباط و السيد لشكر مطالبان أكثر من أي وقت مضى بقيادة معارضة قوية لكن بناءة و حقيقية و متزنة تحقق طموح المغاربة و تدافع عن حقوقهم عبر تبني برنامج بديل وواقعي يتم تبنيه وطرحه أمام مختلف فئات المغاربة و الهيآت الناخبة في أفق تحقيق الرخاء الاقتصادي و الاجتماعي لهم والإسهام في حل مختلف المشاكل كالسكن ومحاربة البطالة و تحسين مستوى الدخل و الإصلاح الضريبي وتعميم التغطية الصحية ومحاربة الفساد بمختلف تجلياته و ترسيخ قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وقيادة معارضة برلمانية تضطلع بدورهما الرقابي للأداء الحكومي و تنساق إلى هموم و متطلبات الشرائح الواسعة من أفراد الشعب المغربي، وأمامهما بالفعل فرصة الاستحقاقات الانتخابية المقبلة للبرهنة و إثبات الذات وبالتالي فرصة تطبيق برامجهما البديلة ، بعيدا عن التركيز عن أمور جانبية ، لأن ذلك لا يشكل أية أهمية بالنسبة للمواطن المغربي العادي ولمعيشه اليومي .
