نور أوعلي
إن السيرورة التاريخية التي شهدها الإعلام المغربي عامة منذ الحماية والإستقلال إلى حد الساعة، عرف تطورات جمة على مستوى الشكل والمضمون و"الإنتواع" في الوسائل الإعلامية، التي لم تكن متاحة في أوقات سابقة، وهذا التطور لم يأت فقط تماشيا مع ما توصل إليه العالم من تقدم في هذا المجال، بل هو ضرورة ملحة تفرضها القوانين المتتالية التي تعدل وتجدد بين الفينة والأخرى.
ومن هذا المنطلق، فإن مآل المشهد الإعلامي المغربي في ظل التغيرات القانونية المتتالية، لا نجد له قالبا معينا نضعه فيه، بيد أن كلمة "مآل" تفيد المصير المعلوم، إلا أنه يبقى مصيرا معرضا للتغير بأحداث جذرية تقلب الموازين، لذلك سنعمل بشكل لا محيد عنه عن طرح بعض السيناريوهات التي قد تدلل على ماهية الإعلام المغربي في مستقبله القريب البعيد!
قبل أن نطرح وجهة نظرنا في الموضوع، لا بد أن نمر سريعا على بعض الأحداث التاريخية المرتبطةبالمشهد الإعلامي لنفهم الصورة بشكل أوضح.
فمنذ الحماية إلى يوم الإستقلال، نجد أن الإعلام كان محتكرا بمجموعة من القوانين التضييقية والمطبِّعَة مع السياسة الإستعمارية إن صح التعبير، مما جعله مقيدا وفاقدا للإبداع، وقد تحسن الوضع بتحرير القطاع السمعي البصري بإنشاء الهيئة العليا للإتصالسنة 2005، وما واكبها من قوانين تنظيمية تضبط المشهد الإعلامي، كشروط إنشاء قناة أو إذاعة، ولا يقل الأمر أهمية بالنسبة للصحافة المكتوبة رغم انحصار تشريعاتها بالإضافة لقانون ينظمهافي مواثيق شرف غير ملزمة وخضوعها لآليات رقابية غير رسمية.
ودخولا في الموضوع، فإنه من دون شك، كان للدستور الجديد وقع على المشهد الإعلامي المغربي، حيث أنه حرر القطاع لحد بعيد، لتضمنه مواد صريحة تجعل من الرأي والتعبير حرية قائمة بذاتها.
وحال المشهد الإعلامي اليوم يتأطر في قالب من القوانين الجارية العمل بها، وتلك التي في طور الإصدار، كمدونة الصحافة ومؤسسة المجلس الأعلى للصحافة، ومن المنتظر أن يفلحا هذين المشروعين الضخمين في تأثيث أرضية أخرى لتحركات الإعلام المغربي عامة، إذ لم يتم التفكير فيها اعتباطا!
إن المملكة المغربية مقبلة على تاريخ جديد، ويجب أن تواكب كل أنشطة الإنسان المغربي هذا الحدث، فليس مثلا التقسيم الجهوي الموسع هو تحديد لجهات جديدة وتقطيع ترابي حديث لبقاع البلاد، بقدر ما هو تحديث يمتد ليمس البعد الجغرافي والإقتصادي والسياسي للمغاربة نحو الأفضل.
ووفق هذا الأساس، فإن الإعلام المغربي في ظل تنزيل جهوية متقدمة سيحظى بتنفيس واسع على عمله، نظرا لاستقلال الجهات ماليا واقتصاديا وجغرافيا وقانونيا، وبالضرورة إعلاميا! إذ أن كل جهة مطالبة بالنهوض بشؤون حالها عن طريق الإعلام الخاص بها والذي يساير عقليات مواطنيها وثقافاتهم، وهذا ما سيجعلنا نرى قنوات أكثر وإذاعات أكثر، وصحف ورقية وإلكترونية يصعب عدها ليس كما الحال اليوم.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا ننسى أن الإعلام المغربي سيعرف طفرة مشرفة لا بد أن تكون إيجابية رغم ما يمكن أن يشوبها من علل، ونعني هنا حصول الأقاليم الجنوبية العزيزة على الحكم الذاتي، وبلا شك يمكننا أن نتصور كيف ستعيش هذه المنطقة في جانبها الإعلامي من تنوع وانفتاح وتحرر بعيد المدى، ومن ثَمَّ قس عليها نظام الجهوية الموسعة، مما سيرغم كافة مناطق المغرب على أن تحذو حذوها في درب التطور والإنفتاح.
وخير دليل على ذلك، هو أن قناة "العيون" الجهوية لم تكن لتعمل وتنشط إن لم يصبح ملف الصحراء المغربية ملفا موضوعا بين يدي جميع المواطنين، وفتح المجال في السياسة يؤدي بكل تأكيد إلى فتح المجال أمام الفاعلين في الإعلام، وهذا ما سيصل إليه الإعلام المغربي كما هو متوقع.
خلاصة القول، فإن السيناريو الأول المرتبط بإخراج قانون مدونة الصحافة والنشر وإنشاء المجلس الأعلى للصحافة وتقنين الصحافة الإلكترونية (الكتاب الأبيض)، ثم تفعيل الجهوية الموسعة، مرورا بكسب قضيتنا ومنح أقاليم الصحراء حكما ذاتيا، هو سيناريو يجعل مآل الإعلام المغربي معروفا سلفا، وهو ما أشرنا إلى ماهيته وطبيعته في متن المقال.
أما السيناريو الثاني – وهو المستبعد حسب الأحداث المُشاهَدَة – فإن تنزيل الجهوية الموسعة سيتأخر! وسيعرف ملف الصحراء المغربية تصعيدا كبيرا! فإن الإعلام المغربي والحالة هذه؛ قد يصبح من الجماد أقرب منه إلى التحرك! فليست القوانين المأطِّرة تحركه بقدر ما تحركه التوجهات البعيدة الرؤيا والشاملة كما هو الحال مع الجهوية المتقدمة.
