يونس حسنائي
ليس من الطبيعي ان يتم الخروج قبل أيام باعتزام الحكومة طي ملف سبتة و مليلية و ذلك خلال زيارة رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران لاسبانيا حيث صرح في لقائه مع نظيره الاسباني ان ملف سبة و مليلية تقادم و يجب الالتفات إلى الايجابيات في إشارة إلى ان هذه القضية يجب ان تطوى و إلى الأبد ، و بعد هذا التصريح الغريب و الذي ينم عن عدم تحمل المسؤولية و الاستهتار بكرامة و تاريخ المواطن المغربي ، و جدت الصحف المغربية مكانا خصبا لسلسلة من الكتابات المنددة و أخرى مؤيدة و زد على ذلك حديث الشارع المغربي حول هذه السابقة التاريخية.
و لكن و بعد أيام قليلة تلت هذا التصريح ، نفاجئ بعدة جرائد بخبر مفاده ان الحكومة الاسبانية تشهد حالة من التوتر لاعتزام المغرب تقديم ملف سبتة و مليلية إلى الأمم المتحدة و فتحه على أعلى مستوى .
المتتبع للمشهد السياسي سيستغرب بكل تأكيد من هذه الخرجات اللامسؤولة و هذه الازدواجية في الخطاب و هاته القرارات المتضاربة و المتناقضة ، فكيف بالأمس يتم الاستهتار بقضية وطنية كبرى و جعلها مسألة هامشية متقادمة بل و يجب طي ملفها ، و اليوم و بقدرة قادر يتم العزم على فتح هذا الملف فيدب الحماس في السلك الدبلوماسي بشكل مفاجئ من اجل السعي إلى محادثات و مشاورات في سبيل إيجاد حل للملف الذي نودي إلى نسيانه بالأمس القريب جدا .
فالأمر يا سادة مريب جدا و يدعونا إلى التحليل المنطقي المعمق و قراءة متأنية ، فالمسألة و حسب ما اعتقد أنها مجرد سياسة لتفريغ الأزمات الداخلية نحو الخارج و الهاء المواطن و صرفه عن مسائل ضربت في صميم ثقافته و اقتصاده و محاولة لإطفاء غضبه.
فكما تعلمون ان قرار طي ملف سبتة و مليلية جاء بعد سلسلة من الهجمات الإعلامية على مغربنا ، ابتداءا من فيلم نبيل عيوش و حفل جينيفر لوبيز و كذا فيديو حركة فيمين بمسجد حسان وصولا إلى المثلي الذي دعا إلى إلغاء الفصل 489 من القانون الجنائي عبر حفل فني أذيع عبر قناة تلفزية مغربية.، فكل هذه الأحداث خلقت حالة من الهلع و الرعب و الفوضى في صفوف الشارع المغربي و التي جعلته يرى انه بخضم معركة شرسة و حرب على قيمه و مبادئه و عقيدته و التي تلزمه بان يكون حريصا فيتخذ جميع الاحتياطات اللازمة ، فهناك حالة من الغضب الشديد و موجة من الاستنكار للدور الحكومي السلبي و الباهت للتصدي لمثل هاته الهجمات ، فلم تجد حكومة اليوم بدا من ان يتم تصدير هذه الأزمة إلى خارج البلاد و إبعاد كرة اللهب عنهم و التي ربما يمكنها ان تحرق جميع أوراقهم الانتخابية ، و ما كان لهم إلا ان يروجوا عبر وسائل إعلامهم على ان رئيس الحكومة أراد ان يطوي صفحة سبتة و مليلية و إلى الأبد و ذلك لخلق البلبلة و إشغال الرأي العام عنهم قليلا بهكذا خبر، و قد تم ذالك و بنجاح و هدئ وطيس الاحتجاجات و تناسى الناس حربهم الضروس على قيمهم ، ليتفرغوا إلى موضوع الساعة و هو كيف يعقل لرئيس حكومة ان يصرح بمثل هذا التصريح الخطير؟ ، و هل يعقل ان تاريخا من النضال سيذهب هباءا منثورا؟ ، و من أعطاه الحق في اتخاذ هكذا قرارات؟...
بعدها بأيام قليلة وقعت فاجعة وادي الشراط و التي راح ضحيتها أطفال أبرياء ألتهمتهم أمواج البحر الغادر، لتتلوها مباشرة فضيحة تسريبات الباكلوريا، و لولا الألطاف الإلهية لكانت الأمور أسوء مما كانت عليه ، احتجاجات بالشارع و مطالب بإقالة الوزير الوصي على القطاع و انتقادات لاذعة للحكومة ، فارتأت هذه الأخيرة مرة أخرى ان تصَدر و تصَرف هذه الأزمة خارجيا فما كان منها إلا ان يروجوا عبر وسال الإعلام التابعة لهم بان المغرب ينوي فتح ملف سبتة و مليلية على أعلى المستويات و ذالك بعد 6 أيام فقط من التصريح الأول و المنافي تماما لما تم التصريح به من قبل .مشيرة على ان الدبلوماسية الاسبانية تعد العدة من اجل مواجهة هذا القرار التاريخي...الخ.
و بالفعل نجح الأمر و تم إطفاء لهب الغضب و مرت امتحان الباكلوريا بسلام و تناسى المواطن ان هناك حكومة يجب ان تتحمل مسؤوليتها السياسية حول هذه التسريبات الخطيرة، و في نفس الوقت هي وسيلة للتشهير بورقة وهمية رابحة "من وجهة نظرهم" من اجل رد ثقة المواطن بسياستهم بعد زلزال الفضائح المتتالية.
فما يجب ان يعرفه المواطن ان مثل هذه القضايا الوطنية الكبرى و المتعلقة بالسيادة المغربية لا يمكن لأي شخص ان يقرر فيها أو يتحدث بشأنها و من يملك هذه الصلاحية فقط هو جلالة الملك محمد السادس ، و هو الذي بيده فقط هذه السلطة ، فما دمنا لم نسمع قرارا صادرا عن القصر الملكي حول هذا الموضوع فيمكن اعتبار ان كل ما يروج بالصحف و الجرائد ليس سوى هرطقات و تفاهات تدخل في إطار سياسة الأحزاب لتصدير الأزمات و تلميع صورتها أمام الرأي العام .
وعلاقة بسلسلة استغباء المواطن نعود إلى الموضوع المتعلق بفضيحة التسريبات، فقد ارتأت الحكومة على ان توجه الاتهامات للأحزاب المعارضة بدل تحمل مسؤوليتها السياسية بغض النظر عن من سرب الامتحان و كيفية تسريبه فهناك مسؤولية جسيمة تقع على عاتق وزير التربية الوطنية لكونه المسؤول الأول عن هذه الفضيحة ليتحول المشهد إلى حرب حزبية سيكون ضحاياها تلاميذ هم نساء و رجال الغد كما راح بالأمس القريب ضحايا فاجعة طانطان و وادي الشراط.
فعلى حكومة اليوم ان تعي جيدا ان المواطن لم يعد ذاك الرضيع الذي يمكن إسكاته بخبر غريب و عجيب أو شطحة من الشطحات البهلوانية، فإما ان تتحمل مسؤوليتها كاملة وفق ما ينص عليه دستور المملكة أو ان تستقيل و تترك المكان لأناس يرون أنفسهم قادرين على تحمل المسؤولية بشجاعة و إقدام و يعشقون ارض هذا الوطن بل و يستميتون من اجل كرامته و استقلال أراضيه.
فكيف يمكننا إذن ان نثق بحكومة تبحث عن أي وسيلة لتصريف مشاكلها خارجيا بدل مواجهتها بشجاعة و الوقوف أمامها و محاولة معالجتها بشكل حكيم و ملموس، فهذا الطرح السياسي هو في حد ذاته اهانة للمواطن المغربي و استهتار و استهزاء بكرامته و قيمه و أسلوب تفكيره. فليس من الصواب أو المروءة الهروب من المشاكل التي تهدد امن و سلامة المواطن و محاولة تصديرها مرة نحو الخارج و مرة أخرى بالإشارة بأصابع الاتهام نحو أشخاص أو أحزاب معارضة، فهو المعنى الحقيقي إذن للعجز عن إيجاد حلول حقيقية رغم وجود جيش من الوزراء و المستشارين و رغم الصلاحيات الكبرى و الواسعة التي خولها لهم دستور 2011 و الذي لم نرى منه شيئا على ارض الواقع حتى الآن، و كل هذا لا يمكن إلا ان نفسره بأنه تملص من الواجب الوطني بأبهى تجلياته ، و الذي على أساسه تم التصويت لهم ليكونوا حكومة اليوم!!!
