الحسن بنونة
ليسأل كل واحد منّا نفسه ثم يجيب عن هذا السؤال ، هل أنا من المبذرين أم لا ؟
فبعد التفكير و التمحيص سيجد أغلبنا أنه ينتمي إلى فئة المبذرين ، إلاّ القليل سيجيب بلا و مع ذلك فمنهم من لن يصل إلى الجواب الحق وأنه فعلا من المبذرين . فلم يبق سوى القلة القليلة ، التي لا تنتمي إلى هذه الفئة .
فنحن بطبعنا نسرف في كل شيء و لا نشعر بأننا نبذر ، وهذا هو جوهر الخلل الذي يعيش فيه أغلبنا ، سؤال آخر اطرحوه على أنفسكم ، كم من بقايا الطعام ترمون في القمامة يوميا ؟ طبعا هناك من لا يجد حتى ما يكفيه ليسد رمقه ، لكن أغلبنا يرمي بالفائض عن الحاجة ، منذ أيام قلائل شاهدت في أخبار إحدى القنوات الإسبانية تقريرا عن رمي الطعام ، فوجدوا حوالي مليون ونصف طن من الأطعمة ترمى في القمامة كل سنة من جراء عدم التخطيط للحاجة .
المقطع أدناه منقول عن إحدى الصحف الإسبانية يؤكد ذلك .
))cada año se desperdician 38 kilos de comida por persona. Es un millón y medio de toneladas de alimentos en condiciones de reutilizarse que se despilfarran por motivos como la falta de planificación de las compras,((
السبب في كل هذا هو لذة الشراء ، فتجد أحدنا وأنا منهم يذهب إلى السوق فيشرع في شراء الخضر والفواكه و ما يحتاجه ولكنه يسرف نظرا لأنه وجد كل شيء تشتهيه نفسه أو رخيص الثمن ، وبعد يومين أو ثلاثة تبدأ علامة التعفن على الفواكه فيضطر صاحبها رميها حتى لا تضر بعياله أو به ، ثم بعدها تذبل الخضر فتجد مصيرها كمصير الفواكه و غيرها من الأعشاب أو الحبوب التي تتسوس و هكذا .
يُحكى أن عمر ابن الخطاب كان في السوق مع أحد الصحابة فأراد أن يشتري ذلك الصحابي عنبا ، وقد أكثر الشراء قبل ذلك ، فقال له عمر لماذا تريد شراء العنب قال له اشتهيته فرد عمر بحكمة " أو كلما اشتهيت اشتريت "
هناك من النساء من تخرج إلى التسوق في سوق الملابس المستعملة أو الجديدة من الدكاكين ،أو من الباعة الجائلين فتشرع في شراء كل ما هو رخيص لتغتنم الفرصة ، ولا تعلم أنها اشترت ما لا تحتاجه وسوف يبقى على رف الخزانة مدة ثم سترمي به في القمامة أو ستهبه لغيرها . سؤال آخر أطرحه على نفسي وعليكم ، كم من لباس يوجد بخزانتك ولم تستعمله أو استعملته مرة واحدة فقط و أنت اليوم مُستغنى عنه ؟ طبعا سيجد أغلبنا أنه يتوفر على ملابس لا يحتاجها ولكنه اشتراها لثمنها البخس أو أن نفسه اشتهتها فكانت لذة الشراء السبب في اقتنائها .
أنا لا أحاول أن أبعدكم عن شراء ما تشتهي أنفسكم ، لا بل أنبهكم ونفسي لشراء ما نحتاجه فقط ، وفي هذا سنوفر على أنفسنا المال و المكان ثم شيئا من الراحة ، سيقول أحدهم و ما للراحة في هذا ؟ ، نعم الراحة ، كم من مرة طلبت منك زوجتك أن تعينها في تنظيف و ترتيب ما يوجد بالبيت ؟ فإن كنت ممن يساعد زوجته فستجد عددا من الأشياء تمر أمامك وبين يديك لم تكن تراها كثيرا أو ربما قط ، هذه الأشياء كانت إما داخل خزانة التزيين – بترينا – أو مخبأة في مكان آخر ولا تُستعمل نهائيا إلاّ عند تنظيف المنزل أو تغيير بعض المحتويات من أماكنها ، ثم إذا افترضنا أنك سترحل من منزلك إلى منزل آخر ، سوف تلف بالمنزل و سوف تختار كل ما هو ثمين و تحتاجه لحياتك ، وستترك أو ترمي ما لا تحتاجه مع العلم أنه كان داخل بيتك ، ربما ستحتاج إلى سيارة نقل لتُفرغ البيت من الفائض . كل ذلك ألم يكن يوما اشتريته أنت أو وزجك ؟ نعم إنها لذة الشراء ، قال الدكتور وليد فتحي في هذا الشأن " كنت أظن أنني أمتلك الأشياء ، ولكنني بعد التفكير العميق وجدت أن الأشياء تمتلكني "
لذا أتمنى أن يكون مقالي هذا بمثابة تنبيه لتصحيح سلوك يرمي بنا نحو التبذير و الإسراف و كلنا يعلم أن الله لا يحب المبذرين ولا المسرفين .
قال تعالى : (ولا تبذر تبذيراً) سورة الإسراء ، وفي مقام آخر قال سبحانه : (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) سورة الإسراء، وقوله عز من قائل : (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) سورة الفرقان.
