الحسين بوخرطة
إن تطور التحليلات لمستجدات الأحداث في منطقة الشرق الأوسط في مختلف المجالات تعبر عن وجود إعلاميين ومفكرين كبار في المنطقة. وهذا المعطى يؤكد أن الفضاء الجغرافي الشاسع الممتد من الخليج إلى المحيط ليست عاقرا، بل يزخر بطاقات معرفية بصمت تاريخ الفكر المعاصر. لقد أنجبت المنطقة عدة خبراء تتبعوا ودرسوا وحللوا الشأن السياسي والاقتصادي والثقافي في المنطقة وفي العالم بشكل عميق. نقول هذا للتعبير المباشر كون المعضلة عندنا ليست مرتبطة بضعف التشخيص وقلة الأفكار والاقتراحات أو بساطتها. إن تحليلات رواد الفكر، العرب والمغاربيين، قد تمكنت دائما من إحداث رجات كبيرة في منطق استراتيجيات الدول القوية بدون أن تلقى العناية والاهتمام اللائقين في بلدانهم. لقد أنجبت هذه الأرض الشاسعة أهراما في الفكر والمعرفة، أهرام بصمت التطور الفكري الإقليمي والعالمي. لكن المفارقة الغريبة، التي تميز الأوضاع على مستوى القطر الواحد في منطقتنا الغنية بمصادر الطاقة، تبين بجلاء وجود نقص حاد في مستويات الاهتمام المجتمعي بالإنتاج الفكري والمعرفي وضعف آليات امتداده ليشمل الأوساط الشعبية. بالطبع عندما نعترف بهذا المعطى، نستحضر أن الأوضاع في مختلف الأقطار العربية ليست بالمتشابهة، وأن الجواب على السؤال المتعلق بدوافع وأسباب استفحال هذه المعضلة، معضلة تنافر الفكر والواقع، ليس صعبا بالنسبة للمتتبعين ومصادر القرار. فحتى المنظمات السياسية الوطنية، بشقيها الحزبي والنقابي، تجد صعوبة بالغة في مسعاها لربط الفكر بالفعل السياسي وترجمة ذلك في برامجها الانتخابية ومشاريع سياساتها العمومية. لقد أشرنا إلى هذه الحقيقة في مواضيع سابقة عندما تحدثنا عن الهوة التي تميز العقلين الفكري والمعرفي من جهة والعملي الميداني من جهة ثانية.
إن هشاشة العلاقة ما بين السياسة والفكر، واستسلام الفاعل السياسي لخطابات لا صلة لها بتقوية العمل الحزبي البناء، قد ساهمت فعلا في إضعاف الروح الوطنية، وسهلت عملية الدخول في مشروع الفوضى الخلاقة في منطقة الشرق الأوسط. لقد تحدث الكثير عن استبداد الأنظمة السياسية المطاح بها، وتم الحديث في نفس الوقت عن البراكماتية ولغة المصالح التي تميز العلاقات الدولية، وتمت الإشارة غير ما مرة أن ما يهم أكثر الدول الصناعية الكبرى هو تحقيق الارتفاع المطلوب في نسب النمو الاقتصادي لتحقيق الرفاهية لشعوبها. وبعد سنوات من هدم جدار برلين، شاع الحديث عن بناء شرق أوسط جديد في مختلف المنابر الإعلامية، حديث صدر عن جهات رسمية وغير رسمية في مناسبات عديدة. لقد سقط نظام صدام احسين، وتم حل الجيش العراقي وتفكيكه. لقد عرفت سوريا حراكا شعبيا قويا في بدايته، تحول، بفعل فاعل، إلى اقتتال عسكري أدى إلى إحداث دمار كبير للمعمار السوري بشقيه التاريخي والعصري. لقد تنازل الرئيس اليمني على الحكم و"لعب" على لغة المصالح الإقليمية والدولية ليتمكن من العودة من جديد كطرف قوي في الصراع العسكري في بلاده. وطويت نسبيا صفحة الإخوان المسلمين في مصر بدون أن يكتب لهذا البلد الشقيق التقدم بالوتيرة المطلوبة في اتجاه مسار البناء الديمقراطي. وتحول تراب ليبيا، نتيجة صعوبة المفاوضات ما بين الأطراف المتصارعة داخليا وارتباط ذلك بتدخلات إقليمية ودولية مباشرة وغير مباشرة، إلى حاضن للتطرف وللمشاكل المهددة للأمن والسلام بالنسبة لدول شمال إفريقيا ودول الساحل ودول جنوب الصحراء....
موازاة مع هذا التدهور المتفاقم عربيا، تزداد الأسهم السياسية الإيرانية والتركية قيمة. لقد رفعت العقوبات على إيران وتمت الموافقة الغربية على إعلان هذا النجاح، وتمكنت تركيا، بالرغم مما تعتبره ظرفيا تهديدا لمصالحها القومية في شمال سوريا، من الاستفادة من الضغط على الاتحاد الأوروبي بفعل توافد الملايين من المهجرين على القارة العجوز (لقد هدد أردوغان إغراق أوروبا باللاجئين).... في نفس الوضعية، تتبادر التصريحات يوما بعد يوم في شأن صعوبة الحفاظ على الوحدة السورية. لقد تحدث كيري على صعوبة إبقاء سوريا موحدة إذا ما فشل قرار الهدنة وتعرقل الاستمرار في المفاوضات. وتحدثت روسيا عن سوريا المفيدة وعن الشكل الفيدرالي لبناء الدولة من جديد. وتم تجاوز "صفة المقاومة" على "حزب الله" اللبناني وتصنيفه كمنظمة إرهابية من طرف مجلس دول الخليج، وارتفعت الأصوات بضرورة تمكين الدولة اللبنانية من جيش قوي، بشريا ولوجستيكيا، يقف سدا منيعا أمام أطماع إسرائيل التوسعية....
كل هذه المعطيات، وأخرى بطبيعة الحال، تستدعي أن تتكاثر المبادرات عربيا ومغاربيا، وتتلاقى الإرادات بشكل قوي استعدادا لمواجهة سيناريو تمزيق المنطقة إلى دويلات طائفية وعرقية، تمزيق لن يزيد الشعوب إلى محنا واقتتالا... فالمبادرات المطلوبة، في نظرنا، يجب أن تركز في جدول أعمالها على إيجاد الصيغ لإقناع الدول الإقليمية المتصارعة مذهبيا أن السبيل الوحيد لتقوية مناعة وسيادة الدول القطرية وتنميتها يبقى رهينا إلى حد بعيد بمدى استعداد الأنظمة السياسية لإيجاد أرضية صلبة للتعاون الاقتصادي، أرضية تعتمد منطق "رابح-رابح"، وتعبر بشكل واضح على الرغبة في إقبار مسببات نشوب الصراعات ودوافع استغلال الوضع الطائفي والمذهبي والعقائدي لتحقيق أغراض فئوية لا صلة لها بمصلحة الشعوب الحقيقية. كما نعتبر الحاجة إلى انتهاج سياسات اجتماعية قطرية وإقليمية من الخيارات ذات الأولوية لسد الطريق أمام محاولات الاستقطاب للفئات المجتمعية الهشة وتهييج الفئات الفقيرة تحت ذريعة ما تمت تسميته ب"تعطش الجماهير للحرية". لقد تم الترويج لكل ما من شأنه أن يساهم في النيل من مفهوم "الدولة الوطنية" كالثورة على الطغاة ومكافحة الاستبداد بدون الإعداد المسبق لعملية البناء في الدول المستهدفة، ليحل التناحر والاقتتال محل التفاوض من أجل الانتقال إلى الديمقراطية.
إن تطورات الأحداث في منطقة الشرق الأوسط أبرزت اليوم خطورة هدم مقومات الدولة الوطنية بمؤسساتها وجيشها. لقد ثبت، بدون الحديث عن المآسي الدموية، أن عملية البناء الديمقراطي ما بعد الهدم أصبحت صعبة للغاية ومستعصية. كما أبانت تطورات الأوضاع في سوريا وكأن بشار الأسد ما هو إلا قائد لمشروع الفوضى الخلاقة في بلده. بمقابل هذا الوضع المأساوي، لقد تأكد، كما هو الحال بالمغرب، أن مأسسة الشأن الديني، والحرص على الاستماع الدائم لصوت الشعب للتقدم في عملية الإصلاح، يعد الخيار المناسب لخلق التراكمات المطلوبة للمرور إلى الديمقراطية. فالنمط الفيدرالي المعتمد عند مجموعة من الدول الغربية، بالرغم من مزاياه المرتبطة أشد الارتباط بالنضج السياسي للشعوب، لا يمكن تقليده في المجتمعات التي لا زال أفرادها عرضة للتغرير الطائفي والمذهبي والقبائلي. إن نجاح الديمقراطية الترابية، كما تتطور في المغرب من المحلي إلى الجهوي مرورا بالإقليمي، يبقى إلى حد بعيد مرتبط بحجم التراكم في الممارسة الميدانية بشقيها السياسي والفكري والقانوني.
وفي الأخير نتوجه إلى المنتظم الدولي، للفت انتباه قواه المؤثرة على مجريات التطورات في العالم، أن الحسم في استكمال الوحدة الترابية المغربية سيعزز بلا شك التجربة السياسية لهذا البلد، لترقى إلى نموذج دولة، بمؤسسات ثقافية ودينية، استطاعت بعد مسار نضالي ومؤسساتي من النجاح في تحويل الدين الإسلامي السمح إلى دعامة للتضامن والتماسك المجتمعي، بدون أن يتحول المعتقد الديني عند المغاربة إلى عرقلة للتقدم في المجالين الديمقراطي والحقوقي.
