الحسين بوخرطة
من خلال تتبعنا للتطورات السياسية في العالم، لاحظنا أن هناك آراء ترجح وجود خطط محبكة مبلورة من طرف القوى العظمى في العالم يصعب حل رموزها بالكامل، وقد تكون معالمها الحقيقية غائبة في التحليلات جزئيا أو كليا. وأمام هذا الاحتمال الوارد بالطبع، يبقى التفكير والاجتهاد في طرح الفرضيات، دفاعا عن الحق في الفهم والتنبؤ بالسيناريوهات المستقبلية الممكنة، من الأمور المحبذة، ولو بطرح احتمالات تدخل في خانة الوضعيات اللامفكر فيها. لقد أعلن بوش الابن، مباشرة بعد الضربة الإرهابية لسنة 2011 بالولايات المتحدة الأمريكية أن العالم يعيش حرب حضارات. وعرفت أمريكا في عهده سياسات لإحياء التعصب العقائدي بأبعاده السياسية لدى الأطفال والشباب الأمريكان (الرجوع بشكل لافت إلى الكنيسة). وقد تم وقتئذ ترويج بعض الأفكار اعتبرت هذه الضربة وكأن لها علاقة بالدولة الصهيونية حيث تم تبرير ذلك بغياب بعض الإسرائيليين في ذلك اليوم المشؤوم عن عملهم داخل العمارتين المستهدفتين. وتتبعنا كذلك، منذ ذلك الحين، عدد من الكتابات التي تعتبر الأحداث المتعاقبة التي تلت ما سمي ب"الربيع العربي"، والتي وصلت إلى وضعية دمار وتفتيت شاملين لدول وشعوب منطقة الشرق الأوسط، مجرد نتائج جزئية لتنفيذ مخطط عالمي، بأجندات زمنية طويلة المدى. إنها أجندات غربية تهدف إلى توفير شروط تحقيق مشروع "إسرائيل الكبرى"، وجعل هذا البلد القوة الإقليمية الأكثر تحكما في المنطقة، تحكم سيكون في المستقبل القريب بمثابة استكمال لما ترتب عن اتفاقية "سايس بيكو". إنه تحكم بآليات القرن الواحد والعشرين، وبمنطق يرمي إلى تمكين رواد مسار النظام العالمي الجديد من تحقيق مكتسبات جديدة.
وعليه، في إطار الفرضيات المستبعدة جدا دائما نظرا لطابعها المتوحش اللانساني، نجد أن هناك من يتحدث عن وجود خطة إستراتيجية للدول العظمى تهدف مرحليا عولمة الإرهاب لتبرير صراع الحضارات والأديان. وهناك من يستحضر هذه الفرضية في تحليلاته ليستنتج صعوبة قيام الدولة الإسلامية في العراق والشام وشرعنة وجودها، رابطا ذلك بكون ما يسمى ب"داعش" هو بدوره مجرد تنظيم تم اصطناعه في مدة قصيرة بدوافع جيوستراتيجية محضة. وهناك من يدفع بفكرة كون هذا التنظيم مجرد آلية يقودها اللوبي الإسرائيلي لتقوية مكانته الإقليمية، وسيتم اجتثاثها في الوقت المناسب عندما سيتم تحقيق الجزء المرحلي المطلوب من الأهداف المسطرة، وعلى رأسها تفتيت الدول والشعوب العربية وتسهيل عملية خلق دويلات على أساس طائفي وعشائري ومذهبي (سنة، شيعة، أكراد، أمازيغ،...)، دويلات شرق أوسطية صغيرة ستكون بلا شك ضعيفة أمام قوة الشركات العابرة للقارات ومتعددة الجنسيات. وفي نفس السياق، هناك من اعتبر ما وقع في تونس ومصر نباهة للقوى المجتمعية والعسكرية في هاتين الدولتين حالت دون حل جيشيهما الوطنيين. كما اعتبر المراقبون وصف أوباما لأردوغان بالدكتاتور في خرجته الإعلامية الأخيرة بجريدة "أتلانتيك" بمثابة رد فعل عنيفة ناتجة عن يقظة النظام العثماني في مقاومته للاختراق الغربي لمؤسساته الرسمية (إعادة إجراء الانتخابات البرلمانية). كما تم اعتبار، في إطار نفس الموقف الذي يتبناه بعض المتتبعين، أن اللجوء إلى التفاهم الغربي مع إيران ما هو إلا "تخريجة" لإخفاء عدم القدرة الغربية لاختراق البلد الفارسي الذي أبان على مقاومة شديدة جعلته يتحدى تأثيرات الحصار الذي دام أمدا طويلا. كما أن هناك من يطالب بمزيد من اليقظة لتجاوز عمليات اختلاق الأزمات والنزعات الانفصالية في المنطقة على غرار ما تروجه المنابر الإعلامية المختلفة من خطابات في شأن ما يسمى بتقرير المصير في عدد من القضايا كالقضية الكردية في كل من تركيا وسوريا وإيران والعراق، وقضية الوحدة الترابية المغربية، وقضية "القبايل" الجزائرية...
إن الموقع الجغرافي الاستراتيجي لتركيا، المدعوم بدينامكيتها الاقتصادية والسياسية، مكنها من احتلال الرتب المتقدمة عالميا في مستوى النمو (المرتبة 17 أو 18)، ليتم تصنيفها في خانة الدولة الأكثر منافسة لروسيا وأوربا. بخصوص مآل الدول الأخرى التي كان يضرب لها ألف حساب في موازن القوى إقليميا، وهم العراق وسوريا وليبيا واليمن، فقد أصابها الاقتتال والدمار الشموليين. وهناك اليوم من يتأسف على الخطوات الغير المحسوبة التي قام بها صدام احسين. فلو لم يدخل في حرب استنزاف مع إيران، ولو لم يتم التغرير به لاجتياح الكويت، لعرفت المنطقة الإقليمية مسارا سياسيا واقتصاديا وعسكريا آخر، مسار قد يكون في مستوى مواجهة أطماع ومصالح إسرائيل والتفاوض مع الدول العظمى في إطار "رابح-رابح". من ناحية ثانية، هناك من يتحدث بلغة أخرى، ويعتبر دعم الغرب للأنظمة الاستبدادية في منطقة الشرق الأوسط لعقود مضت لم يكن الهدف منه سوى إشغال المسؤولين بهاجس الاستمرارية على أساس سياسات أمنية في تجاهل تام لمتطلبات الشعوب وتعطشهم لإحداث التغيير والإصلاح السياسي المنشودين، أو ما تسميه المعارضة السورية اليوم بالانتقال السياسي. لقد استمر الحكام في السلطة إلى أن توفرت شروط تفعيل خطة ما يسمى ب"الفوضى الخلاقة"، فوضى تخللتها تدخلات عسكرية في ليبيا والعراق واليمن، وانتهت بسقوط المؤسسات وأركان الدولة الوطنية في هاته البلدان، وتم حل جيشين قويين في المنطقة بقرار خارجي، وهما الجيش العراقي والجيش الليبي. كما يفسر عدد من المراقبين قوة مقاومة داعش والحوتيين في هذه البلدان بانضمام نخب وجيوش الأنظمة السابقة بأسلحتهم إليها.
ودائما في إطار الفرضيات المستبعدة، هناك من يتوقع أن ما ستؤول إليه الأوضاع في المستقبل القريب سيمكن إسرائيل من لعب دور "السيد" الإقليمي في إطار سياسي واقتصادي سيلقى الدعم الدولي الكافي لضمان ديمومته. في نفس السياق، العراق مهدد بالتقسيم، وسوريا تذوب يوما بعد يوم، وليبيا تجزأت، والأكراد يطالبون بالانفصال، والحديث عن وحدة هاته الشعوب التاريخية أصبح مستعصيا.... تلكم وضعية حقيقية، لا علاقة لها بالفرضيات المستبعدة أعلاه.
وفي الأخير نقول، ونحن نستحضر البعد الإيديولوجي والإنساني في سياسة الغرب الداخلية والخارجية، مستبعدين الفرضيات ذات الطبيعة المتوحشة الواردة في هذا المقال، لا يمكن لنا إلا نقدم الدعوة مجددا لكل الدول العربية وإيران وتركيا لفتح المفاوضات من أجل خلق مجموعة اقتصادية إقليمية قوية، مدعومة غربيا، مجموعة تقوي سيادة أقطار منطقة الشرق الأوسط ودول شمال إفريقيا من البحر الأسود شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا. إنها المبادرة التي ستمكن دول وشعوب المنطقة من مواجهة المغرر بهم من الانفصاليين في مختلف الأقطار وإقناعهم بالعودة إلى الصواب...إلى أوطانهم وذويهم. فالدفاع الدولي على وحدة وسيادة الدول من الخليج إلى المحيط الأطلسي وتطوير العلاقات شمال-جنوب هو المؤشر الوحيد الذي سيؤكد الانشغال الاستراتيجي للدول الصناعية الكبرى في تحقيق السلم والأمن العالميين عبر الديمقراطية والتنمية.
