عبد المجيد صرودي
لماذا يتعلم المجتمع العربي اللغة العربية في المدارس والجامعات؟ أليست هي من يجب أن يكتسبها منذ الصغر، ويتحدث بها في الكبر؟ فكيف إذا أصبحت اللغة العربية متعلمة بدل أن تكون مكتسبة؟ وماهي الشروط المتحكمة في ذلك؟
نعم، هي مجرد تساؤلات؛ قد لا يتأمل فيها الكثيرون، وقد يعدّها البعض ترفا فكريا، أو شطحة كباقي الشطحات السادية. يقولون هذا وهم يعلمون من حيث لا يعلمون، أن الأمر يتجاوز ما هو معلن به، نحو المسكوت عنه - أوبالأحرى نحو الحقيقة المغيبة -.
ولعلها تساؤلات تخص اللغويين أكثر، وكذا اللغويين الاجتماعيين؛ أي من يهتم بأمر الناس، وينبه إلى أشياء قد تكون لها نتائج خطيرة على مجتمعاتنا، في الحاضر والمستقبل.
وإن هؤلاء؛ قد خلصوا إلى أن الطفل منذ ولادته – أو منذ أن يبدأ في النطق – يستطيع أن يحفظ القرآن الكريم، وألفية ابن مالك (في علم النحو)؛ إذ إن الطفل في هذه المرحلة العمرية يمتلك قدرة فائقة في اكتساب اللغة العربية، استعمالا وقواعد.
وبناء عليه؛ فإن هذا الطفل - العربي - في حاجة إلى من يشد بيديه نحو الكتاب أو المسيد، ليتعلم القرآن الكريم، ويحفظه من فقيه متخصص، ثم يحفظ معه ألفية ابن مالك؛ بغض النظر عن لغة المنزل، فقد تكون عكس ما يحفظ. وحين يحفظ ذلك، نكون قد أحسنا التصرف مع ملكة الطفل، في تلك المرحلة العمرية بالذات، فإذا وصل سن السابعة – سن التمدرس – يكون قد اكتسب اللغة العربية، نطقا وكتابة، ويستطيع أن يكوّن جملا وعبارات، ثم يتكلم بها في حياته العادية، ومع أصدقائه، وأسرته، وفي الشارع حتى.
وطبعي أن تكون هذه النتائج مبنية على فرضيات، وآمال؛ على عكس الواقع الذي يقول شيئا آخر غير ذلك، ويضرب بتلك الفرضيات عرض الحائط، ثم ينساق وراء الأوهام واللاشيء، حتى إذا استفاق الطفل يوما وجد نفسه منكسرا، ومهزوما، في وقت لا ينفع فيه لا ندم ولا عتاب؛ حيث لا تبالي له أسرته، ولا يهتم به مجتمعه.
وفي السياق نفسه؛ قد نفوّت على الطفل استغلاله لملكته الذهبية في المرحلة العمرية نفسها، ثم نعتقد أن الكتاب والمسيد لا تصلح الآن، وننصاع لقرارات المستعمِر، ونتثقف بثقافته، ونتزيا بزيه. ثم ذات يوم تقول الأم لطفلها، في المنزل: هاك رمي هاذ الكاغيط في الزبل، فيفهم، ثم ينفذ؛ لأنه قد اكتسب لغة العوام – الدارجة - عوض اللغة العربية الفصحى. وحين يلج المدرسة، تأمره المدرِّسة بنفس الفعل، وتقول: خذ هذه الورقة والق بها في القمامة، فيرد عليها: راني ما فهمتش أوسادة. وحتى إذا فهم؛ فإنه لا يحسن الرد باللغة نفسها.
وإني أتنبه لمن قرأ القرآن وحفظ بعضه أثناء دروسي الصفية، مما يؤكد ما أشرت إليه بالملموس.
وهكذا؛ فَطِنَ المستعمِر للقضية، ودخل بيوتنا، ليخلب عقولنا، ثم استلب أدمغتنا، ليعلن نجاح فعلته المدروسة.
ولكن فينا رجالا راشدين، سيبقون على كلمة الله، ويبينون ما استطاعوا طريق العقل السليم، ومنهج الصدق القويم.
