عبدالفتاح المنطري
!!كم نقمة في طيها نعمة أو رب ضارة نافعة
يعود بنا الماضي البعيد والحنين إليه لن ينقطع إلى حكاية النملة الصغيرة التي لقنت درسا كبيرا لقائد كبير، وعنوانها "درس من نملة" والتي تدور أحداثها حول ذلكم القائد العسكري الذي هُزِمَ في إحدى المعارك، فسيطر عليه اليأس ،و تبخر معه الأمل، فترك جنوده وذهب إلى مكان خال في الصحراء ، وجلس إلى جوار صخرة كبيرة .وبينما هو على تلك الحال ، رأى نملة صغيرة تَجُرُّ حبة قمح ، وتحاول أن تصعد بها إلى منزلها في أعلى الصخرة ، ولما سارت بالحبة سقطت منها، فعادت النملة إلى حمل الحبة مرة أخرى. وفي كل مرة، كانت تقع الحبة فتعود النملة لتلتقطها، وتحاول أن تصعد بها...وهكذا دواليك. وأخذ القائد وحيدا يراقب النملة باهتمام شديد، ويتابع محاولاتها في حمل الحبة مرات ومرات، حتى نجحت أخيرًا في الصعود بالحبة إلى مسكنها، فتعجب القائد المهزوم من هذا المنظر الغريب، ثم نهض القائد من مكانه وقد ملأه الأمل واشتدت عزيمته، فجمع رجاله ، وأعاد إليهم روح التفاؤل والإقدام ، وأخذ يجهزهم لخوض معركة جديدة .. وبالفعل انتصر القائد على أعدائه ، وكان سلاحه الأول هو عودة الأمل وعدم اليأس، وهو الدرس الكبير الذي استمده وتعلمه من تلكم النملة الصغيرة
ويجرنا الحديث هنا إلى الحادثة المنفجرة مؤخرا ، والتي انتهت - ولله الحمد بصلح وسلام- والمتعلقة بالشابة الصغيرة والناشطة الجمعوية خولة النخيلي - فرج الله عليها- والكوميدية المشهورة في سلسلتي "الكوبل" أو "بيه فيه" بالشعيبية "الباطل" الفنانة دنيا بوتازوت - شافاها الله- مما وقع لها، إذ أن نقطة الخلاف الظاهرة للعموم هي عدم احترام الفنانة المشهورة لنظام الطابور (المتوافق عليه عالميا ومجتمعيا )، وفي ذروة الزحام داخل إحدى المقاطعات البيضاوية ، وهي النقطة التي أفاضت الكأس وصارت بذكرها ركبان العالم الأزرق والصحف الرقمية، و تحولت إلى حديث المقاهي وداخل المدارس والمعامل ووسط الأسر في كل أرجاء الدنيا ، بقدر شهرة نجمة " الكوبل" في عالم أضحى" قرية إلكترونية صغيرة" بفضل عولمة تكنولوجيا التواصل وبساطة استخدامها وتوفرها لدى الغني والفقير ولدى الصغير والكبير
خلاصة الدرس المستخلص من نملة عند القائد العسكري هو إعادة الاعتبار لجيشه ومعنويات جنوده ، والاحتفاظ بجرعة الأمل في أقصى وأصعب لحظات اليأس والقنوط بينما خلاصة الدرس المستخلص من خولة ، هو إعادة الاعتبار للتوازنات الاجتماعية بين المغاربة في ظل دستور متقدم عن سابقيه، إذ أنه لم يعد من المقبول بثاثا ،التضحية بالضعيف من أجل القوي ، ودوس هذا الفرد الواحد على كرامة الجميع في كل مناحي الحياة المشتركة
ومن طرافة القول هنا أن نتصور من الآن فصاعدا ، ومنذ وقوع حادثة خولة/بوتازوت أن ينادى على كل مخلة أو مخلة بنظام الصف أوالطابور ، علانية وبصوت واحد، والأعناق مشربئة إليه أو إليها بكل غرابة وامتعاض وتفكه أيضا : والشعيبية .. والشعيبية
سيناريوهات الحياة اليوم في ظل هذا التحول التكنولوجي الوطني والعالمي ،والذي أصبح يطلعنا على طريقة عيش مواطني البلدان الراقية لحظة بلحظة ، تقتضي أن يتمتع المواطنون المغاربة أيضا بسواسية في الحقوق والواجبات ، وأن لا ينتصر لأحد مهما علا شأنه على حساب كائن إنساني ضعيف الحال بغير وجه حق .فمن أسباب هلاك الأمم ،عدم اعتبار واعتمال القانون فوق الجميع ، وتسلط القوي على الضعيف مثلما حدث في حادثة قائد الدروة وغيرها من الحوادث،وحسنا فعلت وزارة الداخلية المغربية بتلقينه درسا مدى الحياة ليكون عبرة لمن يعتبر. ففي الحديث المتفق عليه،الوارد عن أمنا عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فخَْطَبَ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا. ولأن كثيرا من المتهافتين على دنيا اليوم -فيما يبدو- أكثر شراسةوجشعا، فقد غدا التنافس فيها يصل بينهم إلى حد التحاسد والتدابر والتباغض ،وهو السقوط الخلقي الذي يهدد كرامة الإنسان ،ويحلق دينه حلقاً -كما ورد في الحديث النبوي -لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين قال الله تعالى: ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير ,وقال سبحانه: كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى. وهناك صنف من الناس لهم نفوس طيبة صالحة ،ينتفعون بالمال والغنى ،ويكون لهم أعظم بُلغة وأكبر معين على الدين ،وفي هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن العاص الذي رواه الإمام أحمد بسند صحيح: (نعم المال الصالح للرجل الصالح).أما الآخرون من الناس، فهمهم هو الدنيا ،حتى صاروا عبدة لها وللدرهم وللدولار والبطون والفروج والملذات وهوى النفس ،وفي هؤلاء قال النبي صلى الله عليه وسلم: تعس عبد الدينار ،تعس عبد الدرهم تعس عبد القطيفة ، تعس عبد الخميلة ،تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش.صدق الرسول الكريم ﷺ
ولأن الشيء بالشيء يذكر، نذكر هنا في الأخير بمطالبة الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب منذ سنة 2011 ،بالكشف عن لائحة المستفيدين من رخص استغلال مقالع الرمال والرخام وإكراميات (مأذونات) النقل والكشف عن الجهات التي منحت هذه الامتيازات ، مشيرة في أكثر من مناسبة إلى أنه لم يعد مقبولا، بعد اليوم، السكوت عن نهب ثروات البلاد، فالشعب يريد القطع مع اقتصاد الريع، ونظام الامتيازات والاغتناء غير المشروع على حساب نهب ثروات الشعب وموارده، لأن منح رخص الاستغلال الريعية التي تدر على أصحابها أرباحا هائلة هو ضرب لما ينص عليه الدستور من قيم المساواة. وقد نشرت بالفعل لوائح معينةبأسماء حقيقية
أو بأسماء شركات محددة مجهولة الاسم أو متداولة بشكل أو بآخر دون أن نسمع عن تفعيل حقيقي وملموس لمطالب المجتمع في سحب الرخصة من الذي/ التي يتوفر على أكثر من واحدة أو ممن هم في غنى عنها أم ممن راكموا ثروات بطرق ملتوية أو غير مشروعة وفي كل القطاعات..لوائح منشورة على النت،لكن متى يكون الحل مرضيا للجميع وبحد أدنى من المصداقية والعيش الكريم والمساواة في الحقوق كما الواجبات؟ومن نافلة القول، تذكير من بيدهم مقاليد تدبير الشأن العام- ونحن في خضم المتنفس الجديد لجولات الحوار الاجتماعي - بالحديث النبوي الشريف :عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)، وفي رواية: (حقه) بدل (أجره). رواه ابن ماجه، وصححه الألباني. وبه وجب الختم والسلام
