عادل اعياشي
لا شك أن المجتمعات الراقية تقاس بمدى نشاطها وإنتاجيتها٬ ولا شك أن الشباب هم منبع هذا النشاط والمحرك الأول والرئيسي لناعورة التطور والازدهار٬ فجسم الإنسان كما أبدعه الخالق عز وجل لا يصل ذروة القوة والعطاء إلا في مرحلة الشباب من بين جميع مراحل العمر٬ ففيها يرتفع معدل النضج وتتبلور الشخصية على الوجه الأكمل وتوجه بوصلة الطاقات والمواهب صوب المستقبل بطموحات كبيرة وعزائم قوية لتحقيق الذات والمبتغى٬ ثم سرعان ما تنتهي هذه المرحلة الحاسمة معلنة دخول الإنسان في منعطف جديد منعطف الشيخوخة والكبر، فيقل النشاط ويسيطر الفتور وتعلن الأمراض هجومها الكاسح من كل مكان.
إذا كانت مصادر الطاقة والمعادن بمختلف أنواعها وأشكالها تصنف ضمن الثروات الطبيعية التي تحقق للبلدان توازنا وانتعاشا اقتصاديا مهما٬ فإن الفئات العمرية الشابة هي الأخرى ثروة بشرية لا تقدر بثمن، إذا كانت الدول العربية تبخس حق كبار السن فتحرم الأغلبية الساحقة من دخل مناسب يؤمن لهم سبل العيش الكريم وتتجاهل إدماجهم الفعلي في المجتمع بما يتماشى مع احتياجاتهم ومتطلباتهم النفسية والجسدية وتزج بهم في زوايا ضيقة ينتظرون فيها ملك الموت، فإن الفئات الفتية بدورها لا تمثل استثناء لهذه القاعدة التي يلتقي فيها الشباب والشيب على حد سواء، الأمر الذي يفسر ارتفاع معدلات الفقر في صفوف الشباب العربي ومزاولة نسبة كبيرة منهم لمهن حقيرة لا تتناسب وتكوينهم العلمي، هذا إذا خضعوا لتكوين أصلا فظروف العيش المزرية تدفع غالبيتهم لترك طاولات الدراسة مبكرا وهجر مدرجات الجامعات وذلك بسبب اعتبارهم التعليم معضلة تتطلب مصا ريفا تثقل كاهلهم، وفاتورة تضاف لمعاناتهم اليومية وموتهم البطيء من أجل وهم بات مؤكدا صعوبة تحقيقه. وهكذا تُقبر الطاقات التي لو وُجدت في مكان آخر لحُقّقت بها معجزات، ولأُحدِثتْ بها مشاريع تتعدى التوقعات٬ الحقيقة أنه لو كُتبَ لهذه الطاقات الشابة التي يزخر بها العالم العربي أن تتواجد في أمريكا أو دول أوربا مثلا لكان التقدم العلمي والتكنولوجي اليوم في خبر كان، ولَحُوّلتْ الصحاري فيها إلى جنات غناء والجبال إلى بُسُط خضراء، ولشُيّدتْ عوالم جديدة خارج كوكبنا، ولاستُغِلّتْ مجرات من حولنا، ولَبُنيتْ معاملٌ ومصانعٌ على حد البصر، ولصار الازدهار الشامل في هذه الدول أضعاف أضعاف ما عليه اليوم. إلى هذا الحد يعتبر الشباب قيمة اجتماعية أساسية وشريكا فاعلا في بناء صرح التقدم، لذا يجب الحرص كل الحرص على دعمهم وتقديرهم وتحفيزهم على الإبداع وحسن استثمار طاقاتهم ومواهبهم، فهم محور المسيرة التنموية واللبنة الأساسية في بناء غذ أفضل.
لا يخفى على أحد ما تعانيه أوربا اليوم من ارتفاع ملحوظ لنسبة الشيخوخة خصوصا في الدول الإسكندنافية، الأمر الذي يهدد بنية المجتمع الأوربي بالتفكك والتباعد بين فئاته العمرية٬ وكما هو معلوم فإن ازدياد عدد المسنين يفقد المجتمع حيويته ونشاطه وبالتالي يقل الإنتاج بسبب تراجع اليد العاملة النشيطة وعدم كفايتها في تلبية الحاجيات الاقتصادية للدولة، مما يدفع هذه الأخيرة إلى تقديم تحفيزات مالية وامتيازات اجتماعية مهمة والى تخصيص ميزانيات ضخمة من أجل استقطاب اليد العاملة من الخارج لتعويض النقص والاعتماد على خبراء من دول أخرى ضمن اتفاقيات التعاون الاقتصادي٬ الشيء الذي يؤثر سلبا على تماسك ركائز المجتمع الأوربي وعلى وحدة الهوية والانتماء، ويحول الدولة إلى شبه شركة متعددة الجنسيات كما هو الشأن بالنسبة لألمانيا وكندا والسويد والعديد من الدول الأوروبية الأخرى.
لقد استفادت ارويا بشكل كبير من موجة اللاجئين التي اجتاحتها مؤخرا بعد تنامي موجة العنف والعنف المضاد في الشرق الأوسط، وفتحت الحدود على مصراعيها ليس لسواد عيون الفارين من الموت ولكن للثروة الثمينة القابلة للاستثمار وإعادة التأهيل والتي تمثلها جحافل من الطاقات الحيوية الواعدة التي أريد لها أن تذوب في المجتمع الأوربي بهذه الطريقة وأن تشكل جزءا لا يتجزأ من أجياله القادمة. انه مثال حي للدول التي تعرف قيمة ومكانة الشباب في مجتمعاتها ولا تتردد أبدا في بذل الغالي والنفيس في سبيل تشجيعهم ورعايتهم واستغلالهم بكيفية مثلى دون التعدي على حقوقهم ومكتسباتهم.
على العكس من ذلك فقد حبا الله سبحانه وتعالى الوطن العربي بشريحة واسعة من الشباب المفعم بالقوة والنشاط، ومع الأسف قدر للعديد منهم أن ينشأوا وسط بؤر مشتعلة إما بصراعات سياسية قاتلة، أو بأزمات اقتصادية خانقة، أو بمشاحنات عنصرية بغيضة، جعلتهم يتخبطون بين مطرقة الهجرة والأمية وسندان المعاناة من أفق مسدود وأمل مفقود، فلو أحيطوا بقليل من العناية وأديروا بشيء من الحنكة والدراية لصنعوا العجائب والغرائب، ولو تلقت بعض الفئات الهشة منهم تكوينا بسيطا في أحد المجالات التطبيقية لانطلقت في الإنتاج والعطاء بشكل مباشر دون تأخير ولسارت بخطى ثابتة نحو تحقيق أحلامها الشخصية ورسم مستقبل مشرق.
إن الشباب العربي لا ينقصه ذكاء ولا فطنة ولا طموح، بل بالعكس تماما يغمره تطلع كبير وإصرار أكبر على رسم ملامح واضحة لخريطة التقدم والانبعاث في شتى الميادين الاقتصادية والاجتماعية، ورفع شعار التحدي أمام العالم المتحضر بمرجعية تاريخية مشرفة وبعقلية جديدة تساير مستجدات القرن الواحد والعشرون، مع أمل الخروج من دائرة الانغلاق وصعوبة فرض الذات التي طال أمدها، إلى مقاربة تشاركية فعالة في إعداد وتنفيذ وتقييم البرامج التنموية الكبرى التي تعبد الطريق أمام الانتقال الديمقراطي في الوطن العربي.
