نورالدين الطويليع
مكتب المجلس الحضري لمدينة اليوسفية يتحدث عن وضع كارثي لحق المدينة, وخاصة شارعي الأهرام والمحيط, والأحياء المطلة عليهما, جراء سيول واد كشكاط.
عفوا, مجلسنا الموقر, لم يلحقنا ولم يلحق يتيمة المدائن أي وضع كارثي, الوضع الكارثي والمأساوي أخ شقيق ألفناه وتعايشنا معه, وقضينا وإياه سنوات طوال, ووضعناه في سجلات الحالة المدنية, واتخذناه عنوانا رئيسيا لواقع معيش لا نبرحه ولا يبرحنا.
لم يلحق بنا هذا المسمى وضعا كارثيا وإنما كنا ومازلنا نمشي وإياه جنبا إلى جنب في طريق مظلم, نتشابك الأيدي, ونعض على بعضنا البعض بالنواجد مخافة أن تفرق بيننا صحوة مفاجئة لمجالسنا المنتخبة التي تغط في نوم عميق.
من يقرأ كلمة "لحق" يظن أن المدينة كانت مفروشة بالورود والرياحين, وأن طرقاتها كانت سالكة عابرة تسر الناظرين والعابرين, وتشعرهم بأنهم في جنة عالية تغري بالمشاهدة وتستفز أصحاب السيارات بالدب فوقها بأريحية لا معاناة فيها ولا هم يتألمون.., ويظن أن ما أفسد على سليلي يتيمة المدائن حلاوة عيشهم السعيد, وأخرجهم من نعيمهم المقيم إلى جحيم الأوحال والحفر هو واد كشكاط وسيوله الجارفة.
كلا, لا تظلموا واد كشكاط, ولا تفتروا عليه, ولا تملؤوا محضره بصكوك الاتهامات المغرضة التي يتحمل وزرها القائمون على تدبير الشأن المحلي, قدوم واد كشكاط يجسده المثل المغربي"للا زينة, وزادها نور الحمام", وضعنا لم يكن أحسن, طرقاتنا كانت عبارة عن حفر تتخللها بين الفينة والأخرى مليمترات معبدة, وجه مدينتنا كان دوما أغبر تملؤه تجاعيد النسيان, ليس بينه وبين صقر جهنم الأرضية حجاب, فقط حينما استغثنا واجابونا بأذن صماء وعين عمياء, تطوع هو مشكورا, ولبى النداء ليكسر حاجز الصمت ويحطم جدار النسيان, ويخرج آهاتنا المكلومة المخنوقة إلى الوجود, ويعرض صور مأساتنا, التي أحاطوها بالأسيجة وغلقوا عليها الأبواب, على أنظار العالمين, عسى أن يثير انتباه أولي الأمر في المركز, ويلفت عنايتهم الكريمة ليتفضلوا علينا ببعض كرمهم, وينتشلونا من المستنقع الذي صار يخنق أنفاسنا, ولم يعد لنا حول ولا قوة للاستمرار فيه.
قبل أن يلومنا اللائمون, ويستنكروا علينا السكوت وهم يتساءلون مقرعين إيانا, بعد فوات الأوان "لماذا لم تدقوا جدران الخزان", تطوع واد كشكاط ودق بعنف هذا الجدار, ليقول لكل من يعنيه أمر هذا الوطن, أن رقعة منه يعيش أبناؤه في سجن كبير, عنوانه العريض القهر والحكرة والإهمال والنسيان وتسلط المتسلطين, فهل يلامس هذا الطرق العنيف نخوة المسؤولين محليا وجهويا ووطنيا, أم أن دار اليتيمة ستبقى على حالها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؟.
