عبد الفتاح عالمي
لقد نجونا من الحياة و تلقّفتنا مدن بإسفلت مغشوش وحناجر كذّابة ووجوه صلدة يسبب تحمّلها التهابا في الأذن وتقززا كحموضة المعدة التي يُخلّفها الكافيين والبصل، درسنا ما يكفي لنفهم أننا كنا فأر تجارب أبيض لعين شارك من دون إذنه في طبخةٍ يُسمونها المنظومة التعليمية، ورثنا بعض الأنتيكا في تدبير الشأن العام ولا زلنا عالقين ككرة في مباراة كريكت مفتوحة بين حلف اليمين واليسار الراديكالي.. وأولياؤنا الثرثارون أصحاب وعود حين نقف عليهم كما يقف بحزم دائن على مدينه يتلكّؤون بوقاحة بيتَ المعرّي : "لا تقيّد عليّ لفظي فإني مثل غيري تكلّمي بالمجاز".. وبالرغم من ذلك لا زلنا نقاتل بعلف معفيّ من الدّعم ولفرط الألوهية المجتمعية نتوارى في الزوايا وتحت السيارات كقطط الأحياء الشعبية، لكننا لا نضع درعا أبدا كما لا يضع زنديق قفلا على فمه خطأً.. و حين تشرق الشمس على المروج و شرفات السّاسة تترك صعاليك الأحياء الفقيرة وقمامات مملوءة بأشياء غير الزِّبالة فتنبت ضجرا وخيبة، وتظهر أشواط جديدة في المنفى غير التي عرفها إدوارد سعيد وابن تيمية وتيودور أدورنو وغيرهم، إنه منفى لا يخضع لسطوة الزمان والمكان ولا شيطنة الأيديولوجيات، فهو منفى وثير تستطيع أن تحرثه طولا وعرضا بيدك اليمين وتفتح بقية معابره الحدودية بيدك الشمال لتشمّر عن حبال صوتية تصدح بالنشيد الوطني ككلّ المنفيّيين الذين يعودون لأكواخهم مطأطئي رؤوسهم لممارسة القيلولة الإجبارية! إننا نتناسل كأرانب برّية في كل الأنحاء.. نقتني أنسجة قطنية نلفّ بها القادمين الجدد في قماط محكم الربط نجهّزهم للإقبال على الحياة بعزيمة عسكريّ مقبل عليها من دون مبرّر ونقترف كبيرة المغفرة ونفرش لهم خشخاشا على طول الطريق بمرونة سلوقي صيد وفجاجة مناصر للتطبيع ..وحين ينهون مناسكهم ينسوننا معلقين بعرض البحر كغطاء فلّين لا هو ناجٍ ولا هو غارق! ويأتي الفيلسوف السياسي الرائق"سلافوي جيجيك" فيطمئننا في إحدى تصريحاته لجريدة "الغارديان" بأن الإنسانية بخير وأن 99 بالمائة بيننا حمقى ومملّون.. فيذكّرنا بتنبؤات أوستاش دوشان إذ قال "نحن أنذال هزل ومرتخون،لا أرى سوى الحمقاوات والحمقى، إن النهاية في واقع الأمر قد اقتربت، وكل شيء سيّء". و في الختم ..أن تعلم أنك عالق في طابور حلزوني مع دستة من المعميّين ليس أمرا جميلا، قد يصلح لافتة إشهارية أو كابوسا ليليّا أو حتى طبقا رئيسيا من ريجيم صارم، لكنه ليس من تلك الحقائق التي تضيف فائدة لضوضائك الشاسعة و لتجلّي خميرة البيرة على محيّاك .. لأنه في الحقيقة صفارة إنذار لتعيد النظر لاعتبارك بالحياة
