الصادق بنعلال
لا ينتمي صاحب هذه السطور إلى أي لون سياسي مغربي ، و لا يملك صفة " النضال " ضمن أي هيئة حزبية وطنية أو إدارية ، رغم تقديره للعمل السياسي المنظم ، و احترامه للإنجاز الاجتماعي الممأسس ، بيد أنه لا يخفي تعاطفه مع بعض الأحزاب الوطنية الحرة نسبيا ، و ذات القرارات المستقلة و المدافعة عن التحول الديمقراطي السلمي هنا و الآن ، من قبيل العدالة و التنمية ( المرجعية الإسلامية المعتدلة ) و الاستقلال ( التعادلية و الوسطية و المحافظة الإيجابية ) و الاشتراكي الموحد ( اليسار الوطني المتنور ) ، كما لا يخفي استغرابه ، مثل عدد كبير من المراقبين المحايدين من الوضع السياسي المغربي و العربي ، للمنحى الذي آلت إليه مفاوضات / مساومات تشكيل الحكومة ، من قبل السيد عبد الإله بنكيران الذي وجد نفسه ، أمام سلسلة من الاشتراطات غير المتناهية لإفشاله ، و بعد أشهر طويلة من الانحسار الحكومي ، " يتمكن " السيد سعد الدين العثماني ( الرئيس الجديد المعين ) من إيجاد حل لهذه المعادة السياسية " الصعبة " ، و في بضعة أيام لا غير !
***
و يمكن القول دون الرجم بالغيب ، أو إطلاق الكلام على عواهنه ، إن حزب العدالة و التنمية تلقى ضربة موجعة قد تؤثر في راهنه و مآله ، و قد لا يتمكن من تجاوزها بنجاح ، إلا عبر وحدة الصف
و الإيمان بالقيم الوطنية و الكونية الرفيعة ، و جعل المصلحة العليا للأمة مبتدأ و خبرا في " الجملة " السياسية المفصلية . و أخال أن في كتيبة العدالة و التنمية من الأطر و الكوادر ما من شأنه أن يساهم في تقوية البناء و مواصلة الإصلاح في ظل المؤسسات بعيدا عن أي تشنج ، لا يستحضر الذائقة السياسية العالمية و الإقليمية إزاء ما سمي بالربيع العربي / الإسلامي .
***
بيد أن ما أثار انتباه المعنيين بالشأن السياسي بالمغرب الأقصى ، هو إصرار بعض اللاعبين الكبار على إقحام هيئة سياسية متقادمة و مترهلة في الحكومة المنتظرة ، تتمثل في حزب " الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية " ، الذي كان بمثابة عصى في دواليب آلة سير المفاوضات ، و السؤال الذي يطرحه الشارع المغربي ضمن أسئلة أخرى متعددة ، هو لماذا هذا الدفاع المستميت و الانتحاري على كيان سياسي متداع ؟ ماذا سيستفيد الشعب المغربي من بناء حزبي ( أصبح شبه ظاهرة صوتية تلفزيونية ) لفظه المواطنون و عبروا عن رفضهم له عبر الاستحقاقات الوطنية المتتالية ، و لم يحصل إلا على 14 مقعدا برلمانيا إذا وضعنا جانبا " اللائحة الوطنية " ؟ و هل بفرضه قسرا على هذه الحكومة الفضفاضة ، و استجدائه لمناصب وزارية غير مستحقة ، يمكن أن ينجو من الذوبان و الإبحار نحو المجهول ؟
***
إن الوسيلة المثلى التي بإمكانها وحدها الحفاظ على إرث الأبطال من المناضلين الكبار، أمثال المهدي بنبركة و عبد الله إبراهيم و عبد الرحيم بوعبيد و عبد الرحمن اليوسفي ، هي الحوار الديمقراطي الداخلي المبني على قيم التسامح و قبول التعددية و الإنصات للآخر ، و النقد الذاتي البناء لاستقراء مظاهر الخلل و معالم الانهيار غير المسبوق لهيئة حزبية وطنية ، كانت الأفضل و الأبهى عربيا في السبعينيات و الثمانينيات من القرن الماضي . فهل سيتم الاستماع لخطاب العقل و الانكباب على عملية إعادة البناء و التشبيب و التخطيط ليسار الغد ، يسار البناء الديمقراطي المستند إلى المرجعيات الكونية ذات الصلة باحترام حقوق الإنسان و المواثيق الدولية ؛ المحتفية بالحرية و العدالة و المساواة و العدالة الاجتماعية ، أم أن مثل هكذا عناوين ستظل أضغاث أحلام ، أو كلام الليل الذي يمحوه النهار ! ؟
