سعيد المودني
ترتفع بعض الأصوات لاستنكار والتنديد بالحراك الذي حصل في معظم الأقطار "المعربة"، ويضربون المثل في ذلك بما يقع في سوريا التي يتخذونها نموذجا ومنارا ومَعلما، فيعيبون على أي مساند، ويجيشون من أجل ذلك آلات الإمبراطوريات الإعلامية لخدمة طرحهم والترويج له، ويسفهون كل الأصوات المخالفة، ولو كان صوتا أو قناة وحيدة، يتهمونها بالشيطنة والبهتان والتضليل والتضخيم الإعلامي، إجحافا ورغبة في الإقصاء وسيطرة الصوت الوحيد..
وإذا كان لا يجدر الكلام مع أذيال الأجهزة المخابراتية المستفيدة من الوضع القائم، الحريصة على ثباته كما هو ليستمر سلبها ونهبها لخيرات البلاد، وتسلطها وتحكّمها في رقاب العباد.. إنما الكلام يمكن أن يوجه فقط لبعض المتخندقين في نفس الموقف عن "حسن نية" المعجبين بـ"المقاومة"، الداعمين لـ"رموزها"، المناوئين لكل من ينازعهم(الرموز) ولو كان(المنازع) محقا، وكذا للذين هالهم المآل، حسرة على أهل الشام، وخوفا من أن تصير أوضاع كل من طالب بحقوقه مصيرهم، فتراهم يحبطون النشطاء ويثبطونهم بعدم إمكانية نجاح الفعل التغييري، كما يتهمونهم بالركوب على مآسي الناس والتجارة بهمومهم، واختطاف حركتهم،، والأخطر ينكرون على الفاعلين ومؤيديهم ويشككون في بواعثهم، مرة بذريعة الانخراط في مخططات خارجية، بل صهيونية، ومرة بتقليد واستنساخ "موضة" جارفة، ومرة -عند المعتدلين منهم- بأن ليس في الإمكان أفضل مما هو كائن، وأخرى بعموم التردي وشيوعه...
والحقيقة أن الذريعة الأخيرة ترقى إلى مستوى الحقيقة، حيث أنه فعلا كل الشعوب العربية على الإطلاق ترزح تحت النعال ونير الاستبداد،، لكن هل إذا ثار أفراد شعب على طاغيتهم نعينه عليهم بحجة أنهم ليسوا وحدهم المقموعين؟ ألا ينبغي أن يكون المحدد هو صحة دعوى تعرضهم للاضطهاد من عدمها؟ أليس من حق المقموعين السعيَ للانعتاق؟ كيف يمكن تبرير قتل الناس وهدفهم في الحرية والكرامة والعدالة لا يناقضه أحد؟ هل كان نظام "المجرم" غير مجرم بحيث قاد بلده نحو الرقي والازدهار والسمو والرفعة... وسمح لمن اعترض أن يعبر عن رأيه؟ أم قاد بلاده -كغيره من حكام العرب، دون استثناء- بالحديد والنار والتسلط والشمولية والقوة والجبر... فأوصلها إلى ما أوصلها(كغيرها من بلدان العرب)، وعندما اجتاحت الموجة بلده كغيرها من البلدان خرج بالمقاتلات؟ هل يحق لنظام أن يواجه شعبه بما لا يواجه به محتلي أرضه؟ ألم يكن ممكنا لـ"النظام المقاوم" أن يصلح حاله وحال شعبه ويمتعه بحقوقه المدنية والسياسية... فيكون قد حاز الخيريْن، وضَمن التفاف الشعب ومؤيدي المقاومة في العالم الحر، فاكتسب مصداقية وحصّل إجماعا؟؟!!!..
بل، وارتباطا فقط بجانب "المقاومة" المركز عليه من طرف أكثرية أصحابنا، وبما أن "المقاوم" خرب البلاد كاملة،، لماذا لا يستغل الفرصة ليحرر "بلاده"، كما تكفل له ذلك كل القوانين؟ ماذا سيخسر،، وماذا بقي أصلا يمكن خسرانه أو المحافظة عليه؟؟!!!..
من جانب آخر، يلجأ أصدقاؤنا المناهضون، من أجل الاستدلال على التشكيك في نوايا الثوار ومنطلقاتهم وأجنداتهم، يلجؤون إلى المعايَرة القارة المشككة المتعلقة بيافطة عدم تعرض أولئك الثوار للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.. وهنا يجدر التنويه إلى نقطة مهمة دون تعصب استباقي أو أحكام وتصورات ومواقف مسبقة، حتى لا نلبّس على أنفسنا أولا، وعلى الناس بعد ذلك، فنبوء بإثمهم مجانا، وتتعلق بتصريح قيادات فصائل المقاومة الفلسطينية المختلفة غير ما مرة أنها لا تريد ولا تحتاج من يقاتل على أرضها، وإنما هي في حاجة إلى المال والسلاح والإعلام والمظاهرات(في تصريح مشهور لأحد القيادات: "مظاهرة في الرباط تعادل عندي عملية استشهادية في تل أبيب")..
ثم، لماذا لا يقلب القوميون "المقاومون"(النظام السوري وإيران وحلفائهما في لبنان والعراق واليمن)، المشككون في نوايا المنتفضين وولائهم، لمَ لا يقلبون الصورة بحيث يصبح السؤال: لماذا لا تتدخل الدولة الإيرانية النووية، ذات الأساطيل والغواصات والصواريخ العابرة للقارات والطائرات النفاثة... التي قهرت أمريكا والغرب والأمم المتحدة، لماذا لا يتدخلون بالجهاد في غزة، أو في فلسطين التاريخية، أو في الجولان، أو في شبعا؟، وهم الذين لهم اليد الطولى والإمكانية الحقيقية والقدرة الفائقة على التدخل العسكري والغوثي والاستخباراتي،،، سواء بشكل مباشر كدولة(إيران) أو من وراء حجب كتجنيد أفراد... كما فعلت أنّى أرادت، ولو في أمريكا الجنوبية أو المجر؟؟!!.. أم أن هؤلاء اليهود: "ماما أمريكا" لا توافق!!!..
في ذات السياق، الأكيد والمتفق عليه والمسلم به أن النظام الدولي وقواه الكبرى ليسوا منظمة خيرية، فهو مصلحي ونفعي وبراغماتي إلى أقصى حدود التطرف،، ومن مصالحه يوجد المادي المباشر الآني، والسياسي الاستراتيجي الآجل.. وأهم هذه المصالح على الإطلاق هي حماية ومساندة "إسرائيل" ومحاربة كل من يُشتم فيه أنه يهددها أو فقط يعاديها.. فأين تتمظهر هذه المصالح في "مساندته للمقاومة" بقطبيها الرسمي(النظام)، والحزبي(حزب الله)؟؟!!! ما هي مصلحة "المقاومة" في تدخل أمريكا إضمارا وسفورا؟؟!!!.. كيف يكون مقاوما للمشروع الصهيوني من يستعطف الغرب -على رؤوس الأشهاد-،، ويبتز "المجتمع الدولي" بانهيار "إسرائيل" إذا ما انهار نظامه، ويفرط في كل ترسانته فقط بسبب تهديد؟؟!!!..
إن تهمة خدمة المشروع الامبريالي الصهيوني فعلا حاضرة، لكن السؤال هو من يقدمها؟ وهل منافحتها تقتضي بالضرورة الوقوف مع مستبد هو أول من يسهر على حسن أدائها؟؟!!!..
ما المانع من أن تترك هذه "الأراجوزات" المواطنين يعبّرون عن آرائهم، ويُصلحون أمور بلدانهم التي يُجمعون هم أنفسهم كحكام قبل الواقع وقبل غيرهم على فسادها، فيكونون قد حقنوا الدماء وقطعوا الطريق على أي متدخل؟!. لماذا لا يريدون الإصلاح؟ هل هو مستحيل أم أنهم فقط لا يريدونه؟؟!!!..
إن ما لا يمكن لعاقل متزن محترَم أن يقفز عليه مسلمات ثلاث: أولاها أن الشعب السوري -كغيره من الشعوب العربية- لم يكن يعيش في بحبوحة الديمقراطية والحرية والكرامة والرفاهية(مع ما تزخر به بلداننا من خيرات تعز في البلدان المتقدمة) في ذاك النظام "الجملوكي" "المخابراتي" العسكري، ثانيها -والحالة هذه- من حقه، المكفول له وفق كل القوانين والشرائع، التطلع إلى الانعتاق من براثن ذلك النظام، وهو بالضبط ما حاول فعله -كباقي الشعوب حينها- بشكل سلمي، ثالثها أن التعبير عن ذلك التطلع جوبه بما لم يجابه به محتلو الجولان إلى يومنا هذا!!.. مع أن هذا لا يبرر تدخل "المقاتلين الأجانب"، الذين لا يعرف أحد مَن وراءهم.. لكن في كل الأحوال يجب النظر إلى واقعية مسببات الدافع، ثم إلى كرونولوجيا الأحداث، وتناسبية رد الفعل مع الفعل نفسه، سواء من حيث "الكم" أو "الكيف".. ذلك أنه يجب ألا ننسى أنه كرونولوجيّا، مورس ظلم كبير وحيف عظيم على شعب لمدة طويلة، فلما عيل صبره ونفذ وخرج يطالب بحقوقه، واجهه المستبد بالقذائف والرصاص الحي..
فالأمر إذن لا يتعلق بتهور، وبتقليد أو استنساخ، ولا بعمالة ولا بخيانة.. إنما هو تطلعات، بل حقوق كونية تتعلق بالسعي إلى الرفاهية المادية والكرامة المعنوية(المشاركة في اتخاذ القرار ما دام الجميع شركاء في البلد)، والعامل النفسي(كتشجيع) لا يمكن تجاوزه عند استحضار عموم الموجة لأقاليم جغرافية معينة، بل للعالم أجمع(الموجة التي اجتاحت بلدان أوربا الشرقية أوائل العقد الماضي، الموجة التي اجتاحت أمريكا اللاتينية في استعادة اليسار... الموجة التي اجتاحت المنطقة العربية)، لكنه لا ينفي الحاجة، ولا يسحب المشروعية، ما دمنا متفقين على الاستبداد الذي تتعرض له المنطقة، إذ لا يستقيم أن نقر أن هناك مليون سبب للثورة، وعندما تنتفض الشعوب، تشجعا وتأسيا بمن سبقها، بعد أن كسرت حاجز الخوف، نرفض الحراك ونشكك فيه بداعي التآمر الخارجي، كما يردد ذلك كل أعداء الشعوب(أصنام "الخنيز" وكراكيزهم في الإعلام و"الشياشة")..
أما مسألة الركوب، تماما كما هي مسألة التجارة والاختطاف والإرهاب... وغيرها من بنوك المصطلحات، فإنه يعوزها التدقيق اللغوي والتحديد الدلالي، لأنها فقدت أي معنى في هذه الغوغائية المسيطرة.. فلا أسهل من أن يرسل القائل أيا من تلك القنابل الصوتية، وما أصعب أن يحددها بشكل مجرد، موضوعي، محايد، ينطبق على كل استعمالاتها في مختلف الطروح والطروح المضادة..
وفي ما يتعلق بالإحباط والتثبيط وتقييم النتائج، حري بنا التنويه إلى أنه إضافة إلى خصوصية الحراكات الحالية التي تعرفها هذه الأقطار المعربة والتي تعتبر تمظهرا لصراع حضاري كوني قطباه دعاة العدالة في إطار الهوية، من جهة، والمنافس الحضاري غير المسلم المغلف بمفوَّضيه المنتدبين الجاثمين على صدور الشعوب، المتستر فيهم، من جهة أخرى، وأيضا إلى سطوة الإعلام في الزمن الراهن وقدرته السحرية على توجيه دفة النصر، وكذا امتلاك الأقلية العددية لكل مقومات القوة المادية،، أقول: إضافة إلى كل هذا، يجدر التذكير أن الثورات لا تتم في مد واحد بين عشية وضحاها، كما أن حالها الحالي في البلدان العربية -كما سبق- هو نتيجة التكالب خشية نجاحها -وهو أمر محتوم لو تركت لحالها-، وعلى أيّ صدق تميم البرغوثي: "وما تجبر القوم علينا إلا خشية منا"..
من جانب آخر، وفي مجال القياس، غالبا ما تُتخذ الثورة الفرنسية كـ"معلَم" أو "مرجع" في جل "المقارنات"،، وقد كان زمنها أطول بما لا يتيح المقارنة لحد الساعة، كما كانت التكلفة البشرية مهولة جدا(جسر على نهر السين من الجثث)، مع الاختلاف المطلق في وسائل الفتك، بما لا يقارن أيضا..
وإذا كان المسلّم به أنه لا شيء مجاني، وأن السعر يقايس المسعّر، فإن المقاربة القائمة تبقى هي تقييم الوضع، وتقدير ضرورة تغييره، ثم البحث عن الوسائل الألطف فالألطف،، فإن لم يوجد، يبقى آخر الدواء الكي، ذلك أنه إذا سلمنا بأن الوضع مخز على جميع الأصعدة(وهو أمر مسلم به مُجمع حوله)، ولا يمكن، بل يجب أن لا يستمر، وبنينا على ذلك ضرورة إيجاد الحل وحتمية وجود سبيل للعمل،، نكون متهورين إن وجدنا وسيلة خفيفة سريعة "نظيفة" مضمونة بـ"صفر تكلفة" ولجأنا إلى غيرها، لكن، في المقابل، نكون أنذالا إذا لم نأخذ بالمتاح، وتركنا الوضع كما هو.. فكل الثورات مكلفة، وكلها غير مضمونة، غير أنه لم يُسدل الستار عليها لحد الآن رغم الثمن الفادح..
العيب كل العيب أنه إذا بقي الشعب ساكتا مستكينا خانعا، يقال أنه جبان يستحق القهر ولا يستحق الحرية ولا الكرامة ولا أية حقوق، ما دام يبحث عن السهل،، فإذا تحرك، يتهم بالتهور والتآمر والكفران والاستنساخ!!!.. ولا تُعرف بعد هذه الوصفة السحرية السالمة من هذه الشوائب!!!..
