عبد الفتاح عالمي
صحيح أن اعتزالي مشاهدة أفلام الرعب منذ أكثر من سبع سنوات راجع لأسباب متعددة أحدها سيكولوجي والآخر سوسيولوجي والبقية لا تهمّ حقّا، إلا أنّي ظللت لوقت طويل أومن في داخلي أن السبب هو أفلام الرعب الحقيقية التي نُشاهدها مجّانا من دون مونتاج ولا سيناريو مفتعل، والتي نستطيع أن ننام معها مليء جفنينا دون أن تسبّب لنا ارتفاعا حادّا في نسبة الأدرينالين أو تقلبات مزاجية ليلية .. والسبب طبعا هو اعتيادنا على هذا النمط لأننا ننام و نستيقظ عليه.. نفطرُ والمذيع بربطة عنقه الأنيقة يخبرنا أن مجزرة وقعت قبل ثوان, أن ذلك العجوز السّبعيني دهسته سيّارة بالخطأ وأنّ تلك الصغيرة أردتها رصاصة مطاطية شهيدة. ونستدير لنجد الصفحة الأولى بالجريدة تنشر لنا أخبار قتلى وخسائر مادية من حرب لا زالت روسيا والاستخبارات الألمانية يخمِّنان أنها من الممكن أن تكون كيماوية. فأسوء أنواع الاعتياد بالزمن الحاضر هو الاعتياد على ما ترفضه الطبيعة الإنسانية والشّرائع السماوية، وها نحن و يا ليت حرفي ما يساومني لأتركها، اعتدنا على أخبار القتل والمجازر والإبادة التي صارت تلوّث الهواء بهذا الكوكب أكثر من الأكسيدات والجسيمات المادية . فرغم أنّ تعابير وجهنا تتمطّط في الاتجاهات المناسبة كلّما وصلتنا أخبار هذا العالم البئيس، إلاّ أننا ولنُصارح دواخلنا ..نستطيع أن ننام كل ليلة وليس يشغل بالنا سوى كومة مشاكلنا الصغيرة. ولأنّ بعض الحقيقة لا تخرج إلا ممّن مهروا في اللّعب بجدلية الحياة والموت، فإنّ ستالين وبالرغم من خلفيته الأيديولوجية السوداء، فإنّه صدق حين اعتبر أن حالة وفاة واحدة تكون حادثة تراجيدية وأن مليون حالة وفاة تصير مجرّد إحصائية . فواقعنا اللعين هذا -وهنا لن ألوم زمننا لأن هذا الأخير بريء ممّا نحن فيه براءة الذئب من دم يوسف- يثبت أنّنا صرنا كومبارسا في هذه الملحمة العظمى، بعد أن كنا مجرّد جمهور يتفرّج من بعيد! لأنه من الصعب فعليا أن ندّعي أمام محكمة التاريخ أن بصماتنا لا تجعلنا متورّطين في أسوء المؤامرات والإبادات الجماعية للجنس البشري بوضعه المجازيّ والتطبيقيّ بطريقة أو بأخرى، فحتى إن كان الصمت من ذهب، فإنه يستحيل أحيانا أخرى ليورانيم مخصّب ! الآن وفي خضمّ هذا لا زلت أذكر يوما أن صديقا لي كان سعيدا بوضعه نظارات طبّية تسهّل عليه الرؤية، ظلّ يزيلهما ويرى من جديد الفرق بينهما وبين مستوى نظر عينيه ويضحك على الأمر بالموازاة، أتذكر أني قلت له يومها مازحا..حينَ تستهويك أشياء بسيطة وتحرّك في معدتك أشياء صغيرة، اعلم أنَّك مُسست بسحر الحياة وأنك بتَّ شخصا يشبهُك . اليوم وبعد مرور ما يقارب العامين على ذلك, أخاف أن أقول عن حالنا، أنّه حين تستهوينا كل المشاغل إلاّ المشاغل الحقيقية وتُحرك في معدتنا أوجاعاً كبيرة، فلنعلم أنّنا مُسسنا بلعنة العدم وصرنا شخصا لا يشبه البشر ! أخاف أنّ بعض الاحتراق لا يُصدر رائحة لأنَّه لا ينتَمي لعالم البشر .. أخاف أن أقول.. احترقوا كيفما شئتُم لن يهتمَّ أحد !
