مكاينش التساهل.. عناصر الدرك الملكي بسرية ميدلت تشن حملات تفتيش دقيقة للسيارات

حصلة خايبة.. حادثة سير تطيح بسارقين بوجدة ليلة رأس السنة

شاهد كيف تحركت عناصر الدرك الملكي على الحدود الجزائرية لتأمين المواطنين المغاربة ليلة البوناني

المرأة الشرطية في الصفوف الأولى لتؤمِّن المغاربة ليلة رأس السنة بمنطقة تيكوين ضواحي أكادير

لاعبو الجزائر يتحدثون عن مواجهة الكونغو وحضور زيدان في ملعب مولاي الحسن

ولاية أمن وجدة تستعد لتأمين ليلة رأس السنة بتلوينات متنوعة من رجال الأمن

امتحانات البكالوريا: ماذا تغير، وما النتائج المرتقبة؟ قراءة في الأجواء العامة للامتحان

امتحانات البكالوريا: ماذا تغير، وما النتائج المرتقبة؟ قراءة في الأجواء العامة للامتحان

نورالدين الطويليع

 

مرت الدورة العادية لامتحانات البكالوريا هذه السنة في ظروف مغايرة لسابقاتها، من حيث الانضباط وتجنب إحداث الفوضى، واستعمال الوسائل الإلكترونية في الغش...، السمة العامة أن هذه المظاهر شهدت هذه السنة تراجعا كبيرا، وإن سُجِّلَتْ هزات ارتدادية بهذا الصدد هنا وهناك، لكنها لم تصل إلى درجة "الظاهرة"، كما كان عليه الأمر في السنوات الفارطة، حين تَرَكَ الفراغُ القانوني مساحة واسعة  للمناورة، حيث كان بإمكان المُمْتَحَنِ أن يَدُسَّ هاتفا نقالا في جيبه، دون أن يملك المراقِبُ حق انتشاله منه، بَلْهَ أن يُدخل الأمر في خانة الغش، وحتى لو ضُبِطَ وهو يستعمله، سارع إلى إرجاعه إلى غمده (جيبه)، وعمد إلى الصياح والصراخ، خالقا بذلك بلبلة تأخذ من زمن الامتحان وقتا طويلا، وتشوش على زملائه، لينتهي "النزال" في الأخير بعقد هدنة ترجع فيها المياه الآسنة إلى مجاريها كأن شيئا لم يكن، كما كان بإمكانه أن يتبادل أطراف الحديث مع زميله، دون أن يجرأ أحد على اتخاذ قرار زاجر في حقه، لأن وجود دلائل مادية كان من أركان تقارير الغش الأساسية، وبدونها تبطل صلاحيتها، أو لا تقبل أصلا...، وتفاديا من المراقبين لاصطدامات أوجدها وأملاها الفراغ قرر كثير منهم التعامل بعين مغمضة وأذن من طين مع كل ما يجري ويدور في قاعة الامتحان، الشيء الذي مَيَّعَ الأجواء العامة للامتحانات، وانحرف بها عن مسارها التربوي، وخلق جيلا من التلاميذ صاروا يجتهدون في ابتكار وسائل غش متطورة ومتقدمة، تاركين، على طول الموسم الدراسي، البرامج والمقررات والدروس في دائرة بعيدة عن دائرة اهتمامهم، إما بغياب مادي متكرر جعلهم شبه منقطعين عن مؤسساتهم، لا يزورونها إلا لماما لإنجاز الفروض المحروسة بالطريقة التي يريدون، أو بغياب معنوي يحضر فيه الجسد، ويغيب فيه الذهن، ليتحول هذا الجسد إلى قنبلة موقوتة تفجر زمن التعلم وتحدث فيه شروخات واضحة بسلوكات لا تربوية تكسر السير العادي للعملية التعليمية التعلمية داخل الفصل، وتخلف وراءها ضحايا كُثُرًا، سيحرمون من حصصهم، وسيفكرون نتيجة لذلك، وهم يعدون العدة للامتحان، في امتشاق سلاح غش يقيهم شره، بعدما فشل الفصل في تجنيدهم وتسليحهم لغياب الأرضية المناسبة، ولعل هذا ما يفسر هَبَّاتِهِم الجماعية صوب محلات النسخ، مشكلين طوابير طويلة تثير فضول الناظرين، ويكشف عن سبب توالد "مراكز أبحاث" من نوع خاص، يعرض أصحابها خدماتهم عليهم عن طريق "غرف عمليات" يستقبلون من خلالها أسئلة الامتحان المصوَّرة في الدقائق الأولى للامتحان، ويرجعون البضاعة إلى أهلها مزجاةً، عسى أن يُوَفُّوا لهم الكيل، ويردوا التحية بأحسن منها من خلال الترويج لهم، لتتسع قاعدة زبنائهم في السنة الموالية، وتتسع معها رقعة زيت الهاربين من هوس الدروس وتعبها، الباحثين عن محطة الأمن والأمان والطمأنينة وحجز تأشيرة النجاح في نهاية السنة  مع بدايتها، مقابل سومة معينة، ليكون ما بينهما نزهة وفسحة ليس إلا...

في ظل هذه الميوعة التي أعطت سمعة سيئة للبكالوريا المغربية على الصعيد الدولي، استشعرت الوزارة الوصية الخطر المحدق، فاتخذت مجموعة من الإجراءات القانونية التي أشعرت المُمْتَحَنِينَ بجرم الغش، وبما ينتظرهم من عقوبات في حال ممارسته، ويبدو أن الحملة الوزارية بدأت تؤتي أُكْلَهَا، فبدافع الخوف من الإقصاء أو المتابعة القضائية جنح المُمْتَحَنُونَ ممن كانوا يراهنون على الغش كخيار استراتيجي للحصول على البكالوريا إلى "السلمية" من خلال أسلوب "المزاوكة"، متخذين منه طريقة مثلى لجس نبض المراقِب، وترمومترا يقيسون من خلاله إمكانية ممارسة الغش من عدمها، فإن رأوا ليونة ونعومة تمادوا وأشهروا أسلحتهم الغشية، وإن ووجهوا برفضٍ واستعصامٍ ارْعَوَوْا وتوقفوا، خوفا من أن تفضي بهم المحاولة إلى إبعاد عن الدراسة لسنوات، أو متابعة قضائية قد ترمي بهم في غياهب السجون.

وحتى نعالج الموضوع من جميع جوانبه سعينا إلى استقراء آراء جميع المتدخلين في صلب العملية التعليمية التعلمية من مدرسين وإداريين وتلاميذ وآباء ومهتمين بحقل التربية، فالأساتذة سواء منهم المدرسون أو الإداريون عبروا عن ارتياحهم  في المجمل لأجواء الامتحان، وكشفوا عن البون الشاسع بين الظروف التي مر بها هذه السنة، وبين ما كان يشهده من فوضى وتسيب في السنوات الفارطة، كما هو الشأن بالنسبة لسنة 2011، حينما اسْتُغِلَّتْ أجواء الربيع العربي من لدن "سماسرة الامتحانات" أصحاب غرف العمليات الذين أشرنا إليهم فيما تقدم من سطور هذا المقال، والذين أجبروا المسؤولين التربويين الإقليميين والجهويين على الانحناء للعاصفة وترك الحابل على الغارب، ناصحين رؤساء مراكز الامتحان والمراقبين من خلالهم بإدارة الظهر لعملية المراقبة، وتجنب الإمساك بخط الغش المشتعل، حتى لا يصعقهم تردده العالي بفعل الشحنة الربيعية التي لم يؤمنوا شر انتقال شرارتها للخارج، وتحولها إلى عود ثقاب قد يحرق الشارع، أو هكذا تصوروا، وهو ما جعل هذه السنة تشكل نقطة سوداء في تاريخ البكالوريا المغربية، حيث سجلت نسبة نجاح كاذبة بلغت 63%، وهي نسبة لم يصل إليها الأولون والآخرون، وتعد لحد الساعة أعلى نسبة نجاح في تاريخ البكالوريا!!!، وقد ألقت بظلالها على ما بعدها من السنوات، حيث ازدادت الثقة في الغش لدى المتعلمين، باعتباره عملية بسيطة تعفي صاحبها من تعب التحصيل الدراسي، وتَرَاجَعَ إلى حد كبير، الاهتمام بالمعرفة التربوية التي صار يُنْظَرُ إليها كمصدر للتعب والإرهاق غير مضمون النتائج.

أما التلاميذ فآراؤهم ليست سواء، منهم من استحسن الإجراءات الجديدة، بما وفرته لهم من هدوء ساعدهم على التركيز، وأبعدهم عن المشوشات التي كانت تحول دونه، مناشدين بعض من لم يستجب من زملائهم الالتحاق بالركب، والتخلي عن فكرة الغش، وملتمسين من أساتذتهم الحرص على أداء واجبهم في المراقبة بعيدا عن منطق العاطفة التي هي أقرب ما تكون إلى حكاية السم المدسوس في الدسم، وثمة فئة أخرى منهم لم يرقها الأمر وعاتبت الأساتذة المراقبين على "تشددهم" في الحراسة، إلى حد الذي جعل البعض منهم يعتبر المراقِب المنضبط إنسانا قاسيا بلا مشاعر ولا أحاسيس، وهو ما اعتبره متخصصون في حقل التربية أمرا عاديا ناتجا عن انحراف تفكير، وسوء فهم أنتجته سنوات الفوضى، وقلبت من خلاله كل المفاهيم والتصورات في أذهان المتعلمين، مؤكدين أنه إذا ما استمرت الوزارة في حزمها ستبدأ هذه الأفكار في التلاشي تدريجيا، لأن ما أفسدته سنوات لن يُصْلَحَ بين عشية وضحاها.

أما الآباء فقد طالبوا بتفعيل مسطرة زجر الغش، لتكون زاجرة لأبنائهم، ومعينا لهم على دفعهم إلى الانكباب على دروسهم، والابتعاد عن المراهنة على المجهول والانشغال عن التحصيل الدراسي بأشياء تافهة قد تجعلهم في نهاية المطاف على شفا جرف الانحراف الهاري، مشددين على ضرورة التصدي بحزم لجرم كتابة المدرسين أجوبة امتحان السادس ابتدائي للتلاميذ على السبورة، لأن ذلك يغرس فيهم بذرة الغش وفيروسه الذي سينمو معهم ليؤدي بهم في الأخير إلى الإصابة بداء فقدان المناعة التعلمية، وسلك سبيل الإدمان على الغش.

ختاما أستطيع أن أقول بكل اطمئنان أنه إن استمرت الوزارة على هذا النهج، وعززته بحملات توعية على مدار السنة الدراسية، واستفادت من خدمات منشطي التنمية البشرية، ومن أخصائيي علم النفس وعلم الاجتماع، ستحدث ثورة كبرى في مسار امتحانات البكالوريا, في غضون السنوات القليلة القادمة, إذ سيحضر تلامذتنا إلى قاعة الامتحانات بثقة كبيرة في النفس، مدججين بالمعارف والمهارات, عوض الأوراق والهواتف النقالة, وبذلك سيكون التلميذ هو الرابح الأكبر من واقع هذه سماته, لأنه سيكتشف قدراته ويسترجع الثقة المفقودة، ويتخلص من وهن المراهنة على الغش كسند يتوهم فيه إقامة صلبه، وسيعرف أن ورقة الامتحان ستكون أمامه, والمراقب خلفه, ولن يستطيع فرارا, مهما حاول, صوب جبهة الغش الموصد بابها, ولذلك سينكب على دروسه انكبابا, مستحضرا اللحظة منذ بداية الموسم الدراسي, عكس ما كان عليه الأمر في السابق, حين كان كثير من التلاميذ يتغيبون عن الحصص, ولا يهتمون بدروسهم, وفي آخر المطاف يتفوقون، وإن كان تفوقا لحظيا وصوريا، على المنضبطين المواظبين بفضل الغش الذي يتفنون فيه وفي أساليبه تفنن زملائهم المتفوقين في دراستهم.

أخيرا أناشد الأساتذة لالتقاط الإشارة والتعامل بحزم مع واجب المراقبة, بعيدا عن خطاب العاطفة وعن وهم الإشفاق على التلميذ, فالعاطفة الحقيقية يجب أن نستحضرها في عملنا بأن نؤديه على أحسن وجه, وأن نحرص على عدم إضاعة زمن التعلم, وعلى بذل كل الجهود لوضع التلميذ على سكة التعلم, أما إن تركنا هذا (العمل), وعملنا بذاك (الغش), فسنكون قد أجرمنا جرمين في حق المتعلم, جرم الإخلال بالواجب والحرمان من حق التعلم, وجرم التغرير به بسلوك لا تربوي يخرب ويزرع بذور الفشل في ذاته, ويصبغ شخصيته بطابع السلبية والاتكالية والعجز عن الابتكار والإبداع.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات