عبد اللطيف مجدوب
تسكع وسط الأحياء
كعادته كل يوم ؛ وكما ألفه أبناء الحي ؛ يتردد على أبواب مقاهي شعبية كانت منتشرة هناك .. وبائعي "الديطاي" يتسمرون بمداخلها إلى جانب طاولاتهم أشبه بأعشاش التبغ .. كثيرا ما كانوا يسخرون منه ؛ إذا هم رمقوه مقبلا عليهم يستعطف رواد المقاهي بنظرات أسى واسترزاق ؛ يستميل بها بعضهم فيناديه : " ... فؤاد .. فؤاد ..! تعال .. ما هي نتيجة ضرب رقم 723590 في رقم 30986 .. هيا أسرع لتنال درهما ! .." ، يتوقف فؤاد ومن خلال رفرفة طفيفة من جفونه فينطق بالعدد رقمين رقمين 22421159740 ، وقد سبق بها صاحب البورطابل في أقل من 10 ثواني !!
يتلقى دعوة مماثلة ؛ في شبه تحدي لقدرته العجيبة .. وفي كل مرة تصدق حساباته ، وتتكاثر دريهماته أو "تبارك الله عليك" بدلا منها .
اكتشافه من قبل سائح
هكذا كان فؤاد يقضي سحابة يومه متسكعا بين المقاهي وأبناء الحي ، وذات يوم سمع بقدراته الخارقة أستاذ مدرسة ، فعرضه على مسؤول كبير بمديرية التعليم ، فأعجب "بمهارته" وأوصى له بدفاتر وحزمة أقلام ليستعين بها على متابعة دراسته ، وهو لم يعلم بعد أنه غادرها في سن التاسعة ، بعد أن اشتد به شظف العيش الذي كانت تتردى فيه عائلته .
استعمله بعضهم لاستدرار عطف وإعجاب السياح الذين كانت تعج بهم الطرقات والبازارات ؛ قريبا من أحياء فاس العتيقة ، حتى كان ذات يوم أن طلبه صاحب بزار ، لافتا انتباه مجموعة سياح ألمان إلى ظاهرة بشرية بغرض الترفيه عنهم فخاطبهم : Haben Sie Konten ; die Sie ohma Rechmer Verwenden môchten ?" .. هل لكم حسابات تريدون إنجازها دون حاجة إلى استخدام الحاسبة ؟ .." ، فألقيت إليه عمليتان معقدتان ، حسمت ذاكرته بالضبط والمدى القصير المعهودين فيه ؛ مما أثار فضول أحدهم فطلب عنوانه ، ليدله البازاريست على عنوانه بدل عنوان فؤاد !
عودة السائح
عاد شتان هيمن Chtan Haymen إلى بون ، وبقية من الذكريات ما زالت عالقة بذهنه ؛ منها بوجه خاص ذلك الطفل الظاهرة الخارقة ... فقرر العودة إلى المغرب والبحث في إجراءات اصطحابه إلى ألمانيا . وفي غضون أيام توجه توا إلى فاس ، ومن ثم إلى صاحب البزار ليدله على فؤاد ، لكن لدى حضوره تظاهر البازاريست ، آسفا لامتناع أمه عن السماح بهذه السفرة لطالما أنه يقوم كمعين لها على توفير أوَدِ عيشها ، وزعم أنها تطلب سبعين ألف درهم مبلغا لسد ثغرة غيابه لوقت معلوم ... لم يكن من شتان هيمن إلا أن قبل بالعرض ، واستمهل التاجر في الدفع إلى حين حضور فؤاد وأمه للشروع بعدها في إجراءات التسفير .
البريكي علال ؛ صاحب البازار رتب للصفقة جيدا ، فأرسل في طلب فؤاد مع امرأة منتحلة صفة أمه الحنون ... فكان المشهد عاطفيا مؤثرا والألماني شتان هيمن يرى أما تنتحب بحرقة إلى جوار ابنها فؤاد الذي سيغادرها بعد حين ... فوضع في يديها وتحت أعين فؤاد والبريكي علال رزمة مالية وأوراقا زائدة ، ووعدها بعودتهما كلما سنحت الظروف .
فؤاد في ألمانيا
لم تتأخر الإجراءات الإدارية طويلا ، بعد أن تولاها البريكي علال بما عرف عنه من دهاء في تضليل السياح وتسريع كل إجراء إداري مهما كان معقدا ؛ بالبرطيل تارة وبالوعود الزائفة تارة أخرى ، وبعد مضي أسابيع ، وجد شتان هيمن نفسه جنبا إلى جنب مع فؤاد ، وقد تملكه إحساس غمر جوانحه كما لو كان ظفر بهدية إلهية ؛ لم يكن يتوقعها قط في حياته ، خامره هذا الشعور وهو يشق طريقه وسط المسافرين بمطار برلين شوفهيلد ، بيده اليسرى يدفع عربة حقائبه بينما يمناه كانت ممسكة بيد فؤاد الذي ما انفكت نظراته تجول من حوله هنا وهناك ، ومعانقة أبنية ومرافق وسيارات لم يعهد لها مثيلا من ذي قبل .
التحق شتان هيمن بإقامته في المنتجع الصيفي بمدينة كونيزوينتر Konigs Winter المطلة على نهر الراين ، حيث الاخضرار والمياه يشغل مسافات شاسعة على مرمى البصر . هرولت إليه كلابه ، وهي تشاهده يترجل من السيارة ، بينما هب خدم الإقامة وحراسها وهم يتبادلون نظرات متسائلة حول من يكون هذا الوافد الجديد صحبة معلمهم ؟!
داخل مكتبه
بمكتب شتان هيمن الزجاجي ؛ تؤثث جنباته رفوف لمجلدات قديمة ، في حين كانت تعلو جدرانها ديبلومات بأحجام ودرجات متنوعة ، وعلى المنضدة من جهة اليمين يبرز تجسيم برونزي لرجل يفكر .. بينما احتل يساره حاسوب لمّاس Touchable/Tactile .
ــ " ألو .. السيد Frandiem فراندهيم .. كيف حالك ... آي نعم عدت لتوي من رحلة إلى المغرب ..."
ــ " ..مرحبا .. عمال المركز اشتاقوا إليك .. نعم ماذا ؟ "
ــ " ..عزيزي فراندهيم ، لقد اصطحبت معي الشخص الذي كان موضوع حديثنا الأخير ... فمتى سنزورك ؟ ... طيب بعد يومين سأكون جاهزا "
شتان هيمن ؛ خبير وإخصائي في حرارة الدماغ لجسم الإنسان ، ويعمل بمجمع الطب الحيوي GBCالوحيد من نوعه في ألمانيا وأوروبا ؛ يقع بمنطقة محظورة قريبا من مدينة دوسلدوف ، والولوج إليه يمر عبر بوابات ذات بطاقات إلكترونية بالغة الحساسية .
إخضاع فؤاد لاختبارات حيوية
فراندهيم ؛ عالم فيسيولوجي إخصائي في الاختبارات الحيوية لذبذبات الدماغ ووظائفها . يراجع الآن اللمسات الأخيرة لإخضاع دماغ فؤاد لجملة من الاختبارات الدقيقة . ولجوا جميعهم ؛ هم الثلاثة إلى غرفة العمليات ، بزي أصفر واق ونظارات طبية . اقتعد فؤاد كرسيا معدنيا خاصا متصلا بعدة أزرار ووصلات كهرومغناطيسية . ثبت الطبيب على رأسه خوذة ذات كشافات ضوئية ... أومأ إلى شتان هيمن بالشروع في العمل .. ليعرض هذا الأخير أمام ناظري فؤاد لوحة جداء عددين بأرقام عديدة ، وطلب منه النطق بالنتيجة فور سماع الإشارة . وفي اختبار موال ؛ طلب منه شتان هيمن بفرنسية ركيكة Vous avez vu hier quoi ? " ماذا شاهدت بالأمس ؟" ..... تم انتظار برهة قصيرة من الزمن ، ريثما يوثق الحاسوب المركزي معطياته ونتائجه ويصدر الضوء الأخضر . وكم كان اندهاش كل من شتان هيمن وفراندهيم وهما يتابعان تفاصيل النتائج على شاشة هناك ، فقد توصلا إلى :
ــ دماغه يحتوي على كهرباء معلوماتية تفوق متوسط العقل البشري العادي ب50 خمسين ضعفا علاوة على أنه يختزن معلومات تذكرية فوق المعدل بعشرين 20 ضعفا ؛
ــ يستطيع أن يتعلم في شهر واحد ما يتعلمه الشخص الطبيعي في سنتين ؛
ــ توفره على طاقة هائلة يختزنها للتوقعات والاحتمالات والحلول ، إذا ما وضع أمام مشكلة .
فؤاد بجنسية ألمانية
صدرت تقارير سرية لوزارة الدفاع الألمانية بتبني فؤاد مواطنا ألمانيا ؛ حمل لقب سفير ألماني فوق العادة عقب أن لاحظوا ؛ وفي ظرف ثلاثة أشهر ؛ إتقانه للغة الألمانية بلهجاتها بالإضافة إلى الإنجليزية ، وقدرته الخارقة على التكهن بالتوقعات المحتملة أمام ظرفية معينة . سُرّ شتان هيمن بهذا الفتح ، وراحت نفسه تهفو باستمرار إلى الاجتماع بفؤاد والتحدث إليه في مجال التوقعات التي كان يراها بعد اطلاعه على كم هائل من التقارير ؛ كان يكتفي بالنظر إلى صفحاتها حتى تختزنها ذاكرته .
وذات ليلة ؛ بعد أن فرغا من تناول وجبة العشاء ؛ خرجا معا يتمشيان في الحديقة ... وبادره بسؤال :
ــ " فؤاد أتقبل مني هدية ...؟"
ــ " على الرحب والسعة .. وكيف لا ."
ــ " .. أريد أن أتبناك ولدا لي ... فقد علمتَ أني ...عا .." فقاطعه فؤاد والدموع تكاد تنهمر من مقلتيه :
ــ " .. آسف ... نعم أنت أبي في كل شيء ... لقد أرسلك الله إلي ... في بلاد بعيدة لتنقذني .. فكيف لإبن أن يتنكر لأبيه .."
ــ " .. لكن .. لِم لمْ تحدثني عن زيارة والدتك ؟ .."
ــ " .. والدي عسكري قتل على يد البوليزاريو ... وأمي توفيت بمستشفى الولادة ، وأنا حينها إبن خمس سنوات " ، فلم يكد يتمها حتى ضمه إلى صدره ، وجعلا يتبادلان الشهقات وهما متعانقان ..
فؤاد شتان هيمن
ظل شتان هيمن مشرفا على عدة بحوث أكاديمية أجنبية في مجال طاقة الدماغ البشرية ؛ كانت تفد عليه من جامعات عديدة ، وكثيرا ما كان يستشير ابنه فؤاد في حالات جد خاصة ، رغم تقدمه في العمر ودخوله عتبة الثمانينيات ... كان لا يفتأ عن الاتصال به ، مستهلا كل مكالمة بجملة " أبي كيف أنت .. وصحتك ؟ " .
وتشاء الأقدار ؛ ذات يوم ؛ أن تحمل كبريات قنوات وصحف ألمانيا نبأ وفاة العالم الفذ شتان هيمن عن سن الثالثة والثمانين ، وقد خلف وراءه رصيدا علميا زاخرا ... إلى جوار ابنه الألمعي فؤاد شتان هيمن ...
فؤاد يتوق إلى زيارة بلد أبويه
صار بحوزته الكثير من الأموال ، ففكر في بناء مؤسسة للصم والبكم ببلده المغرب بغلاف مالي 200 مليار سنتيم ، ولدى مفاتحته السلطات المغربية في المشروع ... طالبوه بعلاوة تزيد عن المليار ، فضلا عن توليهم مهام الإشراف عنها بتمويله الخاص ... لكن ؛ وأمام هذه المساومات التي واجهته ؛ عدل عن الفكرة وقرر منح المبلغ للسلطات الألمانية في مشروع خيري حر ... فلم تتوان هذه الأخيرة عن تشييد مؤسسة للنبغاء الصغار تحمل اسم : "مؤسسة فؤاد المغربي"
