الرئيسية | أقلام حرة | مستقبل التعليم العمومي المغربي بين الفرنسة والخوصصة

مستقبل التعليم العمومي المغربي بين الفرنسة والخوصصة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
مستقبل التعليم العمومي  المغربي بين الفرنسة والخوصصة
 

ينص

 القانون الإطار 17-51 الذي يؤطر العملية التعليمية في إحدى مواده على المساهمة في تمويل المدرسة العمومية،حيث جاء فيه "الاعتماد في تمويل المنظومة على مبادئ التضامن الوطني في تحمل التكاليف العمومية ومساهمة الأسر على قدر استطاعتها" وفي نسخة أخرى "مساهمة الأسر الميسورة"!! 

 وبالتالي إعلان نهاية مجانية التعليم. هذا الأمر الذي الذي نبه إليه الأساتذة المفروض عليهم التعاقد قبل مدة إبان إضرابهم، أو على الأقل إبان إضراب قطاع كبير منهم، لكن عددا كبيرا من الشعب أيضا جما غفيرا من شبيبة حزب العدالة والتنمية -حتى لا أقول كلهم- اتهموا الأساتذة

 بالذود عن مصالحهم الشخصية فقط، -وهذا حق أريد به باطل- فالأستاذ يدافع عن مصلحته الشخصية، -وهذا أمر طبيعي- لكن كل مصلحة له فهي مصلحة لغيره، خاصة وأن قطاع التربية والتعليم يهم بالأساس الأسر المتوسطة والفقيرة، وبالتالي فالدفاع عن مصلحة الأستاذ دفاع عن مصلحة الفقير

 بصفة عامة، وما الأستاذ إلا تلك الشجرة التي تخفي الغابة.

 

فالأستاذ

 واحد من عدة وظائف أو مهن تجعل من صاحبها فقيرا لا يملك غير راتبه الذي لا يكفيه لتحمل أعباء ومصاريف الشهر، ورغم ذلك فليس هذا هو الأمر أو القضية، وإنما قورن بين الإدماج وبين تخلي الدولة عن التزاماتها، باعتبار أن الدولة التي تتخلى عن المعلم ليس صعبا عليها أن تتخلى

 عن المتعلم، وبالتالي فعدم الإدماج للمعلم مع الدولة يعتبر تخليا من الدولة عن هذه الفئة، وهي مجرد مقدمة للتخفيف عن الدولة من مصاريف التعليم، وبالتالي التخلي التام عن المجانية. 

 

فالذي

 يريد أن يعلم الشعب مجانا لا يمكنه ترك الأستاذ والمعلم عرضة لتقلبات الدهر، ولا يمكنه أن يجعل من الأستاذ مستخدما قابلا لأي عرض للعمل، مرة مع الدولة ومرة مع الأكاديمية أو الشركة المحلية، وبالتالي ففكر الشركات فكر لا يفهم إلا منطق الربح، مما يجعل من مدير الأكاديمية

 -الشركة- يتعسف على المستخدمين -الأساتذة- وهو أمر لا يمت لالتزام الدولة بصلة، بل هو عين الخوصصة، إلا أنها تبقى خوصصة مقنعة.

 

هذا

 إلى حدود مفهوم الأمس لرغبات الدولة المقنعة، وأما اليوم وبالتصويت على قانون الفرنسة والخوصصة لمرافق الدولة في التعليم، فإنه يتضح جليا ما كنا نخشاه، ألا وهو خوصصة التعليم وبيع المدرسة العمومية، عفوا، فالدولة لن تبيع المدرسة العمومية، بل ستبيع خدمات المدرسة العمومية،

 وستبيع التعليم في المدرسة العمومية، وبالتالي فالفقير لا مكان له في المغرب، فهذا الفقير لن يستطيع دفع رسوم تعليم أبنائه، مما يجعله يقعدهم من الدراسة، وبالتالي يتحولون بشكل مباشر إلى خدم للطبقة العليا.

 

إن

 القانون الجديد في مادة أخرى (لعلها الثانية وكذلك الثامنة والعشرين حسب بعض نسخ مشروع القانون الذي أصبح قانونا اليوم)  قد حرمنا من حقنا في التعليم بلغتنا حيث جاء فيها " إعمال مبدإ التناوب اللغوي من خلال بعض المضامين أو المجزوءات في بعض المواد بلغة أو لغات أجنبية"

 وما اللغة أو اللغات الأجنبية إلا الفرنسية، وإن لم ينص القانون صراحة على ذلك، فالوزير لما سئل اليوم عن استعمال الانجليزية قال "إن استعمال الانجليزية مكلف وسيبدأ العمل بالفرنسية فقط، وأن العربية مشكلتها في البيداغوجيا"، وهذا جواب صريح للمقصود بالتناوب اللغوي،

 وبالتالي منعنا حقنا في الهوية وربطنا بالاستعمار، وهو الأمر الذي يستوجب من كل الأحرار النهوض من دون تخاذل أو تهاون حتى إرجاع الأمور إلى نصابها، والتقدم في مجال التعريب الذي هو حق للمغاربة، والتدريس بلغة الوطن حق طبيعي لكل البشر، كما أن هناك مادة ثالثة تحرمنا

 من حقنا في التعليم بأية لغة كانت، إذ أنها تحصر التعليم المجاني في حدود السنة الثالثة إعدادي، مما يعني نهاية المشوار هنا، وفقط هنا، ولم يعد من حقنا كفقراء أن نحلم بشغل منصب أو أن نترقى فيه أو أن نغير من تموقعنا الاجتماعي، كأنما يريدون أن يقولوا لك: كنت فقيرا،

 عش وابق كذلك طول عمرك، فالترقي ليس من حق الفقراء.

 

إن

 قانون الخوصصة والفرنسة، هو قانون معادٍ لكل الشعب وليس لطبقة دون أخرى، فالفرنسة تهم كل الشعب، وتهم مستقبل الشعب الهوياتي والأخلاقي والحضاري، ثم إن الخوصصة أيضا ضد كل أفراد الشعب، حتى وإن قالوا إنها تهم فقط الأسر الميسورة، فمن يحدد لنا الأسر الميسورة؟ وما هو

 الدخل الذي يمكن اعتبار الأسر معه ميسورة؟ خاصة وأن أجور بعض السلالم لا تكفي حتى نهاية الشهر، وبالتالي فأصحابها محسوبون واقعيا في عداد الفقراء، وحتى وإن اعتبرنا الأمر موجه لأصحاب الدخول العالية التي تفوق عشرة آلاف درهم أو للتجار المتوسطين والكبار، فالأمر لا

 ينسجم مع الأخلاق، ولا يتوافق مع العدل، إذ أن هولاء أغلبهم يدفع الضرائب بنسب عالية، وبالتالي يحق لنا أن نتساءل: أليس من حق هؤلاء أيضا أن يدرسوا أبناءهم بالمجان وبجودة عالية؟ ألا يدفعون الضرائب أكثر منا معشر الفقراء؟ أليس هذا ظلما في حقهم؟ بالنظر إلى أنهم يساهمون

 في مالية الدولة وبشكل مهم وكبير جدا، وإلا فإنه من حقهم التهرب عن أداء الضريبة أو الامتناع عنها كليا.

 

إنكم

 والله تبحثون عن أمور لا تفرح أحدا، ولا تروق غيركم في هذا الوطن، بل تريدون احتكار كل شيء لكم وحدكم وكأن بقية الشعب مجرد ضيوف عندكم، وهذا والله أمر يدعو إلى الاحتقان ثم الانفجار الاجتماعي -لا قدر الله-.

 

أيها

 العقلاء -إن كان فيكم عقلاء- إن الفرنسية استلاب لهوية الوطن، وخطف لحقوق الشعب في التفوق، وإلا فالأمر ليس صعبا أن تدرسوا أبناء الشعب بلغتهم، ثم تدرسوهم ما يختارون من لغات أجنبية، يدعمون بها آفاقهم المعرفية والبحثية مستقبلا، وليس إلغاء اللغة الوطنية مقابل التدريس

 بلغة المستعمر، فهذا امتداد للاستعمار، وسترون النتائج وأهونها الهدر المدرسي.

 

أيها

 العقلاء -إن كان فيكم عقلاء- إن الخوصصة بمثابة الورقة الحمراء في وجه الفقراء، من خلالها تطردون من الدراسة كل من لا يستطيع تأدية رسوم الخزي والعار، وبالتالي تحكمون على أغلبية الشعب المغربي بمغادرة كراسي التعلم مبكرا، مما يمكنكم من التحكم في منسوب المتعلمين،

 وبالتالي التمكن من تدريس أقل من عشرين متعلما في القسم، وهذا ما كنتم تحلمون به، فلما عجزتم عن الوصول إلى ذلك الهدف بشكل أخلاقي ومشروع، فكرتم في طرد الفقراء لتتمكنوا من ذلك، وبالتالي توفير مدرسة ملائمة للأغنياء بعدد قليل من المتعلمين، وهذا حق ضل طريقه إلى الباطل،

 وإلا فالواجب عليكم تعليم أبناء الشعب كلهم بالمجان، وتوفير الجو الملائم لذلك بمضاعفة عدد المدرسين وعدد الحجرات، وليس التقليل من الفئة المستفيدة من التعليم.

 

إن

 خطة الفرنسة والخوصصة تستهدف بشكل من الأشكال فقط صالح طبقة واحدة وهي طبقة الأغنياء، دون المتوسطين والفقراء، - بل حتى هؤلاء الأغنياء لم يسلموا من الحيف باعتبارهم يدفعون الضرائب مرتين، ضرائب مشروعة حسب الدخل والاستهلاك، وهي ضرائب عالية، وضرائب للتعليم، وكأنهم

 ليسوا مغاربة، فما فائدة التواجد بهذا الوطن إذن؟ - بل يستهدف صالح الأغنياء المفرنسين، باعتبار أن الأغنياء هم الذين يستطيعون دفع هذه الرسوم، وأن المفرنسين من يستطيعوا المواكبة، وبالتالي لاحظ للفقير وإن كان مفرنسا، ولا حظ للغني ما لم يكن مفرنسا.

 

إن

 الدولة بهذا العمل تتوجه إلى الشعب باعتباره مصدرا للثروة لا مستفيدا منها، من أجل تمويل مشروعات لا يستفيد منها كثيرا وليس موافقا عليها، وبالتالي تزكي من الإقطاع وتوسع دائرة العبيد، وتقضي على شيء اسمه الشعب، الأمر الذي يفسر تغول أقلية مفرنسة على مصير هذا الوطن

 

 الجريح، مما يستوجب وقفة الرجال حتى لا يحال المحال إلى حال.

مجموع المشاهدات: 532 |  مشاركة في:

عدد التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

مقالات ساخنة

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع