الحسين أربيب
لن أكون لينين ولا ترو تسكي هذا القرن ، بل مغربيا حتى النخاع ،لأن مسألة النضال لن نتعلمها بالمدرسة بقدر ما نرضعها في حليب أمهاتنا ، منهن تعلمنا، فهن مدرستنا ، منهن تعلمنا التضحية النضالية الأولى، علمننا الصبر وعدم الرضا بالذل والمهانة ، بل تعلمنا الحرية واستنشقنا عبيقها منذ الطفولة فلو مشينا حفاة وعراة ولكن لا نركع لأحد سوى لله ، وإن جعنا لا نمد يدنا للغير ولا نسرق بل نعمل وبشرف ، لانقبل الاستغلال ونموت من أجل الحق، حق الحياة بعزة وكرامة والتمتع بكل حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها في العالم . لذا فمسألة النضال ليست وليدة التطور الحاصل في تكنولوجيا الاتصالات ووسائل الإعلام وإن ساهمت في تقريب المعلومة وزادت في تطورها بفعل تشابك المتدخلين في عملية الوعي الجماعي وذاكرة المجتمع، مما قد يسرع أو يؤخر الوعي بالأوضاع السياسية ويكون ذلك التردد بين الطبقات الشعبية في مسك خيط الثورة والنضال من أجل مبادئ معينة قد لا تكون واضحة للجميع، مما يخلق الضباب ويحجب الرؤية عن المظلومين لذلك لابد أن تكون مسألة النضال مطروحة على كل الشعوب المهضومة الحقوق ولكل جيل أساليبه في النضال وطرقه ، إلا أن الطريق الوحيد للنضال هو التنظيم الذي يؤدي للتوحيد في الرؤيا والأساليب وانمحاء الذات إزاء الكل ، فالنضال من أجل إحقاق الحق يجب الوعي به أولا وفهم كل ما يرتبط به حتى يمكن الإقدام على عمل يتضمن كل المخاطر المادية والمعنوية للوصول للحق المزمع تحقيقه ، والتشبع بالروح النضالية ليست لحظة عابرة تستهلك مع الوضع الذاتي للفرد ، بل تربية متأصلة عند الإنسان الحر ذي النفس الأبية مهما تغيرت الأوضاع الاقتصادية للفرد نحو الأفضل ، بل وتزداد نضجا لأن النضال ليس شعورا عابرا بتجاوز جسر الفقر أو القهر ،بل قوة دفينة في ضمير الإنسان المناضل لا تخبو وإن بدت كذلك مع استقرار الأوضاع فسرعان ما تصعد وتفور بمجرد ظهور بوادر وضعيات اجتماعية أو اقتصادية وسياسية تستوجب النضال من أجل التغيير لتحقيق مطالب عادلة وتسوية وضعيات مختلة بفعل سياسات ظالمة. فالسياسة صانعة الأوضاع المعيشية وبانية الخطط الاقتصادية والجالبة للاستثمار من أجل التشغيل للقضاء على البطالة هي الرافعة التي يستمد منها المناضلون نفسهم للاستمرار في العملية النضالية لتحسينها أو تغييرها. ويلعب المثقف دورا حاسما في رسم صورة للثورة التي يشع "وهجها من خلال ابتكار أشكال جديدة من العلاقات الإنسانية وأشكال جديدة من المعرفة" كما يقول ميشال فوكو . فالمغرب عرف مسألة النضال إبان مرحلة التحرير ، وكانت له رجالاته منهم من حمل السلاح ومنهم من حمل القلم ومنهم من قدم المال والجهد ،ولكن تدخلت عدة عناصر فيه لرسم خريطة سياسية لم تكن تبرز كل مكونات الشعب المغربي وكان الإقصاء السياسي لعدة فعاليات سياسة فعلية ، فالتنظيمات السياسية والنقابية والجمعوية بالمغرب عرفت عدة تطورات سلبية راكمتها التجارب الجانحة نحو المصلحة الخاصة مما أسقط الأهداف المتوخاة من التنظيم السياسي والنقابي وتخليه عن المبادئ الكبرى للسقوط في حسابات ضيقة تروم المنصب والامتياز وتترك النضال من أجل المبادئ البانية لمستقبل الوطن جانبا ، فكانت لنا بنية حزبية ونقابية هشة تتفتت حسب المصالح الذاتية والقطاعية بل وحتى القبلية مما خول للنظام فرصة كبيرة لتدجين تلك التنظيمات وخلق أخرى تعزف نفس النغمة النشاز في أوركسترا منظومة سياسية تقليدية تتحول في ذات المكان مع الإبقاء على كل السلط والموارد الاقتصادية في نفس الطبقة الحاكمة دون ترك مجال للسياسة الحقة القيام بعملها الطبيعي حيث يكون الصراع من أجل السلطة وفق قواعد سياسية متفق في الديموقراطيات الحديثة.
لذا فالمغرب بكل مكوناته السياسية لن يعرف التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي دون الانخراط بشكل جدي في تنقية الساحة السياسية من الانتهازيين الذين أحتلوا مكانة الصدارة في كل مراكز القرار وأغلقوا الأبواب على كل مناضل حقيقي يسعى لخدمة الوطن والمواطنين ، والتركيز على المدرسة بوضع مناهج تعلم حب الوطن لا الأشخاص والمصلحة العامة فوق كل اعتبار وأن المغربي واحد في كل أرجاء ترابه لا فرق بين شمالي وجنوبي ، وحده القانون يفصل بينهم ، وخيرات البلاد ليس ملكا وحكرا على عائلة دون أخرى ، يجب العمل والنضال من أجل أن نعيش في وطن يكفي فيه أن تكون مغربيا حتى تتمتع بكل الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحتى نصل لذلك لا يجب التفريط في مسألة النضال.
فالشباب الحامل للشواهد الجامعية والمعطل عن العمل أكبر وصمة عار في جبين السياسة والسياسيين ، فهؤلاء هم رافعة التنمية والتطور ، ما المانع من دفعهم لميدان العمل والشغل في مختلف القطاعات التعليمية والصحية والخدماتية ، أليسوا أهلا لذلك؟ من كان سببا في وضعهم هذا؟ أليست السياسات التعليمية والتشغيلية ؟ من يتحمل المسؤولية ؟ أليس هناك من يجرؤ على قول الحقيقة ؟ إن التظاهر الذي أصبحت شوارع الرباط وأمام واجهة البرلمان، مسرحا لها لم تعد تقلق لا الحكومة ولا غيرها من أصحاب القرار ، بل أصبحت تلك المظاهرات تؤثث المدينة ويستمد منها النظام نقطا إيجابية في مجال الحريات ، بل إن هؤلاء الشباب المعطل منقسمون على أنفسهم لدرجة أنك ترى عدة أطياف من الألوان تميز فيما بينها وكأنها تتنافس على الأسبقية في الشغل ، والحال أن الحق ، حق الشغل لن يتم الحصول عليه بطرق التظاهر تلك التي تعبر عن ضعف حركة الاحتجاج وتفتتها لأنها ليست موحدة وليست لها أساليب ضغط كافية لتنتبه لها دوائر القرار ويلتف حولها الشعب ، فالوضع النضالي بالنسبة لهؤلاء الشباب يجب أن يختمر ويعاد إنتاجه وفق خطط تعيد لنضالاتهم القوة والمصداقية ،وأول ما يجب الشروع فيه هو تجميع الصفوف وتوحيد أساليب التظاهر وفرز قيادات جماعية موزعة جغرافيا وغير مركزة في نقط محددة لتلافي الحد من قدرات حركيتها ، قيادات لا تطمح لزعامة معينة وليست لها ميولات انتهازية مما قد يفشل العمل النضالي ويعطل مسيرته ، كما أن تلك النضالات والمظاهرات تتم بمعزل عن التشكيلات الحزبية التي تدافع عن نفس الأهداف والحقوق ، إذن لابد من إقحامها في عملية التظاهر وإشراكها في رسم استراتيجية العمل النضالي المشترك ، طبعا غالبية الأحزاب المغربية تنظر لمشكل الشغل والتشغيل ضمن منظور الحكومة وتتفق مع تعليلاتها وهي في الأصل موجودة لتزكية مثل تلك الأوضاع لأن المقربين لها لا يعانون من البطالة كما يعاني منها أبناء الشعب الذي لا وساطة له سوى كفاءتهم التي لم تعد تؤخذ بعين الاعتبار بل القرب والعائلة والوساطة هي المفاتيح المؤدية للمنصب الإداري أو منصب شغل. لذا فالنضال في المرحلة الحالية يتطلب توحيد الصفوف وابتكار أساليب جديد من النضال والتنسيق مع الأحزاب والنقابات وجمعيات حقوق الإنسان ، التي تقترب من أهداف المتظاهرين وتوسيع دائرة المطالب لتشمل باقي فئات الشعب عوض بقائها متفرجة على هامش المظاهرات والاحتجاجات كأنها غير معنية مما يجري في الساحة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومسألة النضال تتطلب تعميق النقاش لإفراز قضايا وزوايا من الأوضاع التي يعيشها الشباب الجامعي المعطل والمعطلين بصفة عامة وايجاد المبادرات للضغط على مركز القرار السياسي لأن البلاد في أمس الحاجة لهؤلاء المثقفين ، لبناء وطن هو في طور الغرق في بركة الجهل ويئن من فرط العلل ، فهؤلاء الشباب هم أمل البلاد لذا يجب فتح المجال لهم وإشراكهم في عملية الإنتاج وتدوير عجلة الاقتصاد قبل أن تصدأ وتتكلس ،كما تكلست بعض العقول القابضة بزمام القرارات السياسية والاقتصادية . .
