محمد أزوكاغ
حقيقة تجد نفسك في بعض الحالات في موقف لا تحسد عليه البتة خاصة عندما يطلق أحدهم حكما يفتقد بشكل مفرط للاستدلال ويضيف له صبغة دينية يراها تعكس صحيح الدين وكل مخالف لها فهو في ضلال مبين، هذا إن كنت تستند في تفكيرك إلى المنطق والعقلانية طبعا.
بدأ النقاش بحادث اغتيال قائد ليبيا السابق معمر القذافي واعتبار أحدهم الأمر على أنه يمثل انتقاما إلهيا،وقبل أن نستأنف النقاش اسمحوا لي أن أشير وبسرعة إلى قاعدة أعتبرها أساسية وهي أنه إن كان على أحدهم أن يجيز لنفسه تأويل آية على مذهبه فعليه أن يجيز في نفس الوقت لغيره أن يؤول مثلها على مذهبه كذلك، وفي حديث علي رضي الله عنه "لا تخاصمهم بالقرآن فإن القرآن حمال أوجه" عبرة لمن يعتبر.
أخذ الطرف الآخر بناء على القاعدة السابقة على عاتقه أن يجيب انطلاقا من طرح أسئلة في ظاهرها سذاجة وفي باطنها حجة.
إن كان اغتيال القذافي انتقاما إلهيا، فما قولك في اغتيال الخلفاء الراشدين (ثلاثة يقينا والرابع ظنا)؟ سؤال بلا جواب وخلاف من دون مخرج !
انتقل النقاش إلى الانهزام المهين للجيش المغربي في معركة إسلي سنة 1844 أمام الجيش الفرنسي في عز الضغط الإمبريالي على المغرب، فقال الأول أن الأمر يتعلق بغضب إلهي أصاب المغاربة لابتعادهم عن صحيح الشرع وفتح باب المغرب للأجنبي ليعيث فيه فسادا، وبنفس المنهج أجاب الطرف الآخر وهل انتصار فرنسا يمثل في نظرك رضاء في المقابل؟ مرة أخرى ينتقل النقاش إلى حدث آخر دون حسم.
حتى لا نطيل نأتي على ذكر موضوع آخر وأخير، يتعلق باعتقاد مفاده أن تدهور المستوى المعيشي ببلادنا هو في واقع الأمر مجرد سخط إلهي على عباده لتخليهم عن ما اعتبر صحيح الدين. وهل ارتفاع مستوى المعيشة في السويد رضاء في المقابل؟ وما قولك في طاعون عمواس في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو عهد لي اليقين بأنه يعلو عن شبهة غضب الله على عباده المؤمنين.
قد نستطرد في مثل هذه الأسئلة إلى ما لا نهاية له دون طائل يذكر، ويكفي أن نجيب السؤال بسؤال حتى تنكشف الصورة.
قد يجوز أن نأخذ ما يصيب الأفراد على أنه ابتلاء، لكن أن نسقط هذا على أمور السياسة فهو مجرد تسطيح وتهوين للأمور، إن أحسنا الظن بأصحابه فهو جهل للقصد وإن أسأناه بهم فهو قصد للجهل.
عند الحديث عن مثل هذه الأمور السياسية يجب على المرء أن يحكم عقله وأن يبحث عن الأسباب الموضوعية للأحداث والمشاكل في أفق تقديم حلول عقلانية ومنطقية وهذا لا ينتقص من إيمان أحد أو يزيد، أما ما دون ذلك فهو هروب عن مواجهة المشاكل بأهون الأساليب وأقصد هنا إحالتها عن الإرادة الإلهية التي يجب أن يعلو قدرها فوق هذه التفاسير صونا للدين ذاته
