عبد الله الدامون
عندما انفجرت قنينة غاز داخل قسم دراسي في مدرسة سيدي عبد الرحمن بالدار البيضاء، استغربت لأن الكثيرين استغربوا ذلك، واستغربت أكثر عندما تحركت النقابات التعليمية لكي تدين ما جرى.
تذكرت تحقيقا أنجزته قبل بضع سنوات حول واقع مدارس ابتدائية في مناطق نائية. كان الوقت بردا، فلبست ما يلبسه أي فلاح أو راعي غنم وقصدت مناطق كنت أدري جيدا أن لا أحد في أية نقابة تعليمية، مهما كبر شأنها أو صغر، زارها يوما. وصلت إلى أقسام دراسية بلا سقف، ووجدت معلما حوّل جزءا من قسم مهجور إلى غرفة نوم ومطبخ، وعندما سألته عن التلاميذ أشار بيده إلى أطفال يرعون البقر والغنم قرب وادٍ، وقال لي: أنظر إليهم، إنهم هناك.
في مدارس نائية، أو لنقل إنها مدارس وهمية، عاينت لوائح بأسماء تلاميذ نجحوا العام الذي مضى، واستغربت أن نسبة النجاح في الصف الخامس وصلت تقريبا إلى مائة في المائة. سجلت أسماء بعض التلاميذ الناجحين وبحثت عنهم. التقيت ببعضهم وطلبت منهم أن يكتبوا لي حرف الألف أو الباء على ورقة.. ظلوا ينظرون إلي بذهول قبل أن يعترفوا بخجل بأنهم لا يعرفون هوية الألف ولا شكل الباء، لا لون الجيم ولا حجم الفاء. قلت لهم : كيف نجحتم، إذن؟ قالوا إنهم لا يدرسون بالمرة وإنهم نجحوا رغم أنفهم.
سألت عارفين بمجال النصب والاحتيال في مجال التعليم، فقيل لي إن عملية إنجاح التلاميذ في تلك المنطقة النائية هو مجرد احتيال لكي تتم مداراة الفضيحة، ولكي يعتقد المسؤولون الآخرون أن الأشياء على أحسن ما يرام.
وصلت أيضا إلى مدرسة لم أجد فيها معلمين ولا تلاميذ ولا أي شيء. سألت عما يجري، فقيل لي إنها مدرسة أقفلت أبوابها لأن المعلمين لا يأتون بالمرة، وإنه سيتم تسجيل سنة بيضاء لأن المعلمين لا يأتون والتلاميذ لا يأبهون. قلت في نفسي إن هذه الحالة أقل نفاقا على الأقل من إنجاح تلاميذ في القسم الخامس لا يعرفون كتابة حرف هجائي واحد.
كان هذا الجانب مجرد جزء بسيط من ذلك التحقيق الذي تضمن أشياء كثيرة مرعبة عن واقع التعليم في المناطق النائية. رأيت وعاينت أشياء كثيرة، لكني لم أكتب كل شيء، ربما لأني قلت مع نفسي إن تصرفات البعض لا يجب أن نتهم بها الكل، وإن قطاع التعليم بالتأكيد فيه أناس شرفاء، وإن هذا التحقيق عندما سينشر سيتحرك المسؤولون وستقيم النقابات التعليمية الدنيا ولن تقعدها.
فعلا حدث ما توقعته، وعندما نشر التحقيق أقامت فروع خمس نقابات تعليمية الدنيا ولم تقعدها، وأصدرت على الفور بيانا شديد اللهجة فيه شتم مباشر لي، واستعملت في حقي أحط أسلوب في وصف صحافي وصل إلى مناطق لم يصلها أي نقابي تعليمي. كنت أعرف أن النقابيين الأشاوس الذين أصدروا ذلك البيان العفن يمضون وقتهم في المقاهي يتبادلون النميمة والمصالح وحل الكلمات المتقاطعة.
في ذلك التحقيق لم أكتب عن معلمين يأتون إلى القسم ويجمعون فيه التلاميذ لحكاية القصص والنكات، بينما هم يشربون الجعة على رأس هضبة. ولم أكتب عن مدرسين يتحرشون بتلميذات قرويات بريئات، ولم أكتب عن أشخاص لهم فضائح ينفق بسبب رائحتها السردين الخانز. لم أكتب عن أشياء كثيرة اعتبرتها مسيئة إلى قطاع فيه بالتأكيد شرفاء كثيرون، لكن الذي حدث هو أنه عوض أن تصدر النقابات بيانا ضد الفاسدين في قطاع التعليم، أصدرت بيانا ضدي.. إنها طبقت حرفيا نظرية «اقطع الأصبع الذي يشير إلى الفساد، وسينتهي الفساد».
وقتها تحركت الأكاديمية الجهوية للتعليم في المنطقة وعاقبت مدرسين ومدراء، فكتبت إلي معلمة تشتمني وتقول إني قطعت رزقها؛ قلت لها إنني سأكون سعيدا لو قطعت رزق مائة من أمثالك لأنك تركت أطفالا أبرياء فريسة للجهل والمستقبل الغامض، وجلست أمام التلفزيون تقلمين أظافرك.
معلم آخر كتب إلي يقول إني لا أعرف ما يعانيه المدرسون من أجل الوصول إلى تلك المدارس، قلت له بدّل حرفتك ولا تضحك على أبناء المغاربة.
كان بودي أن أنسى هذه الحكاية، لكن ما جرى في مدرسة سيدي عبد الرحمن بالدار البيضاء دفعني إلى استعادة تلك الذكريات، لعل الذكرى تنفع المؤمنين وغير المؤمنين بأن التعليم هو مفتاح البوابة التي تنطلق عبرها الأمم والشعوب نحو المستقبل، وأن ما عدا ذلك هو مجرد وهم في وهم.
