الرئيسية | أقلام حرة | هيمنة الداخلية

هيمنة الداخلية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
هيمنة الداخلية
 

تعرضنا في مقال سابق بعنوان "أركان الاستبداد" إلى استعراض بعض الأركان التي لا يقوم أي نظام مستبد إلا بإيجادها وتثبيتها.. فاستعرضنا بعضها بإيجاز يكاد لا يتجاوز الذكر، والبعض الآخر بنوع من التفصيل..

ونعود هنا -في مقالات- إلى بعض الاستدراكات أو الإضافات أو "الإلحاقات" التي قد تكون سقطت في حينه، وأيضا إلى تفصيل بعض مجمل السابق، خصوصا ما تعلق بهيمنة قطاع الداخلية على كل قطاعات الدولة الأخرى، وكذا جدلية "العياشة" بين الخلق والوظيفة، ثم استثمار كرة القدم لتخدير أكبر قدر ممن يمكن تخديره بها..

مر، إذن، أن وزارة الداخلية تعتبر سيدة الوزارات لدى النظم المستبدة.. فهي فوق كل اعتبار وتتمتع باليد العليا المطلوقة.. هي القطاع الوصي -دون وجه حق أو سلامة منطق- على غيره من القطاعات التي تتجاوزه شرفا وأولوية، بذريعة ضرورة إيجاد مؤسسة منسقة بين القطاعات في الوحدة الجغرافية المعنية جهة كانت أو إقليما أو جماعة محلية.. مع أنه يفترض أن هذا دور المنتخب، وإلا يمكن تأسيس امتداد جغرافي هرمي لمؤسسة رئاسة الحكومة كمؤسسة لها الصفة والصلاحية للإشراف والتنسيق والتوجيه والضبط والتعديل... بدل أن يقوم بذلك قطاع "يساوي" -دستوريا- القطاعات التي يهيمن و"يتغول" عليها.. بل إن المشاحة تطال حتى التسمية التي استحوذت على "الداخل" كله(وهذا في كثير من البلدان)، وكأن التعليم والصحة والعدل والتجهيز والفلاحة... لا تهم الداخل،، بل تهم الخارج!!!..

نظيرَ هذه الهيمنة، يخصص المستبدون امتيازات مادية ومعنوية -كثير منها غير نظامي- خاصة ومميَّزة لكل موظفي ذلك القطاع المسيطر وأجهزته الضبطية.. لذا تجد المنافسة مستعرة على المناصب المخصصة لهذه الوظائف رغم أجرها النظامي العادي بالمقارنة مع مناصب القطاعات الاجتماعية غير المرغوب فيها، مع أجرها الأعلى!!!.. بل إن الأمر يزداد جلاء عند ملاحظة زهْو موظف الداخلية لدى تقديم نفسه في أي مَجمع، و"خجل" الآخر من ذكر مهنته أمام الملأ.. كما يظهر الفرق أيضا في مستوى معيشة الموظفيْن المائل لصالح الأول، مع ارتفاع أجر الثاني!!!..

إن وزارات داخلية المستبدين أكثر ما تمثل النظمَ، لذا، ولضمان تفاني منتسبيها وولائه، يحظى أدنى ممثل للنظام فيها(قائد مقاطعة مثلا) بامتيازات وأبهة وهيبة واعتبار واحترام ومقام ونفوذ... أكبر مما يحظى به من يتقلد أعلى منصب في قطاع وزاري آخر، ربما يكون مسؤولا جهويا أو إقليميا أو رئيس قسم أو مصلحة في مؤسسة جهوية كالتعليم أو الصحة مثلا،، مع أن غاية ما يقوم به ذاك "الداخلي" بالنسبة للمواطن هو تسليمه شهادة سكنى، وأقل ما يقدمه الآخر هو الوقوف على تعليم أو صحة ملايين الناس..

إن الهيمنة مطلقة لدرجة أنه إذا أراد مسؤول قطاعي إقليمي أو جهوي مغادرة منطقة نفوذه(ولو خارج الزمن الإداري)، لا يُلزمه القانون استئذان رئيسه المباشر في القطاع، في حين يجب عليه استئذان المسؤول الجهوي أو الإقليمي للداخلية، بحكم أن كل القطاعات تعتبر "مصالح خارجية" لتمثيلية وزارة الداخلية في الجهة أو العمالة أو الإقليم.. لا يستطيع موظف غير الداخلية تجاوز "الوصي" الخارجي المتسلط المسلط على قطاعات مستقلة قائمة بذاتها!!!.. إنه امتداد و"بركة" الإضافة في الألقاب الرسمية، حيث لم تُضف "صاحب الجلالة" إلا لممثل الداخلية(عامل صاحب الجلالة)،، و"يحرم" منها ممثلو الصحة والأوقاف والتربية والتجهيز...

مظاهر السيطرة تنزل حتى أدنى درجة في القطاع، أي "منصب المقدم"، ذلك أنه بغض النظر عن مشروعية أو ضرورة أو جدوى وجود هذا المنصب الذي يشغله إنسان عجيب غريب "ثمنه قليل" و"أجره كثير"، و"رسالته "المقدسة"" في إحصاء عدد تسبيحات الخلق لخالقهم، وبعيدا عن مناظرة المنصب بمثلائه في "الدول الحقيقية" وجودا وعدما،، ما هي "الآليات "الديمقراطية"" التي يتم اعتمادها لإسناد مثل هذه المناصب؟؟!!!.. وأين يتجلى تكافؤ الفرص في مثل هذا "التوظيف"؟؟!!!.. أم أن المنصب الأخطر على مستقبل المغاربة، والذي يتجاوز الكفاءة والشهادة العلمية، هو تصغير واختزال لمفهوم "خدام الدولة" في أجرة مساعد تقني، وخط هاتفي، و دراجة "بوجو 103"، وبعض الامتيازات الهامشية،، ولا تجوز "دمقرطته"؟؟!!!..

وهذا الإسناد لا يقتصر على "المقدم"، بل يشمل "الشيخ" أيضا، كما يشمل مناصب "البركاكة" باعة "الديطاي" أو "حراس السيارات"... لدى أجهزة "حضية المواطن"، وهو حاضر كذلك في "توظيف Les Génies" في الإعلاميات، والذين يُكتشفون في "الجرائم الإلكترونية" ثم يدمجون دون مباراة، أو بـ"العطش"، دون طلب عروض"...!!!.. أم تراهم يعتبرون هذه "الوظائف" شيئا زهيدا، "زايد ناقص" عند الناس؟؟!!!.. مع أن الناس "يتقاتلون" على "عمل مرسم وبتقاعد وتغطية صحية" بـ 50 درهما لليوم،، ولنا في المتعاقدات مع شركات النظافة خير مثال!!!..

 

على الهامش، تنفضح سوءة هذه "الدول" المتخلفة وينكشف فشلها ونفاقها حين تجد أن الملفات الاجتماعية التي تعتبرها ثقيلة ومكلفة، وتمعن في إهانة أصحابها(التعليم والصحة)، تمثل جنة الاستثمارات في القطاع الخاص، ويستثمر فيها "رجال" هذه "الدول"!!!..

 
مجموع المشاهدات: 451 |  مشاركة في:

الإشتراك في تعليقات نظام RSS عدد التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

مقالات ساخنة