أحمد السنوسي
سيجد مؤرخو المستقبل صعوبات جمة في تدوين وقائع الزلزال العربي الهادر وهزاته الارتدادية، إذا اعتمدوا منهج التاريخ المقارن، حيث سيخذلهم تاريخ الثورات الحديثة في العالم، كما ستخذلهم مرجعيات قرون بائدة، ذلك أن الاستبداد العربي يتميز بالفرادة، ويشبه الى حد كبير، الأمراض النادرة التي لا تضعها شركات تصنيع الأدوية ضمن أولوياتها، نظرا لضيق حجم سوقها، ولكونها مرشحة للانقراض.
وقد أغمض ما يسمى بـ”المجتمع الدولي” أعينه وآذانه، على اعتبار أن الاستبداد العربي هو نتاج طبيعي، في نظرها، لتركيبة المجتمعات العربية القبلية العشائرية، التي تحكمها الأسطورة والدجل. وهو ما يحول دون أن تجد القيم الديمقراطية منافذ ومداخل في محيط مغلق جامد، يصر على أن يعيش خارج عصره.
وكان ذلك “المجتمع الدولي” المزعوم سيواصل التغاضي عن واقع الاستبداد العربي طمعا في ذلك الرحيق السحري الذي تغزلوا به، إلى درجة وصفه بـالذهب الأسود، فمن أجل عيونه السوداء كل شيء يهون.
لكن ثورة الشعوب العربية، التي لازالت في أطوارها الأولى، دفعت بالدول العطشى إلى النفط، التي تستهلك بترول العرب وتحرص على عدم استهلاك مخزونها الاستراتيجي منه، تحسبا لأهوال المستقبل، إلى إعادة ترتيب حساباتها، عبر الادعاء بأنها ستلعب من الآن ورقة الشعوب العربية، على حساب حكامها، فأزهرت كرما حاتميا يضاهي الكرم الذي أبانت عنه خلال حروب الخليج.
وظفت ترسانات عسكرية غير مسبوقة، لـ”حماية” الشعب الليبي ضد معتوه طرابلس، في انتظار أن تقدم كشف الحساب والفواتير الصاروخية لممثلي الشعب، بعد أن تنطفئ فورة الإرهاب الاستبدادي، بنفس الطريقة التي كانت بها دول التحالف تقدم الفواتير للكويت، ليس فقط مقابل الصواريخ التي تهاطلت على رؤوس الشعب العراقي، بل، أيضا،عن أية قارورة كوكاكولا يستهلكها المارينز، وهو منطق واضح للعيان، إذ إن “الحلفاء” لم ينخرطوا في حرب الإبادة حبا في الشعب الكويتي، بل لكون مخزون النفط العراقي أصابهم بالإدمان، وفتح شهيتهم للدماء، تماما كما يفعل سمك القرش حين تلتقط حواسه رائحة الدم.
التاريخ لا يعيد نفسه، كما يستبعد ذلك كارل ماركس. فالتاريخ، حسب رأيه، يبدأ بمأساة وينتهي بملهاة، ومن ثم، فالتاريخ ماكر، لكن مكر التاريخ العربي يعيد إنتاج نفس السيناريو: جمهوريات عجائبية، تطمح لكي تتحول إلى ملكيات وراثية يعبث الأبناء بما تبقى من أوصالها وثرواتها، مستبدون لا يحسنون قراءة ما حدث لجيرانهم الأقربين.
ليس جنونا أو جهلا بالمعطيات الجيوستراتيجية، بل جراء عقدة دفينة تشكل خاصية مشتركة لدى المستبدين العرب، وهي احتقارهم العميق للشعب، واستهتارهم بذكائه.
بل بوجوده وحقه في الحياة، ثم استهتارهم بأوطانهم، إلى درجة العمل على استقدام المستعمرين الجدد، وإتاحة الفرصة أمامهم، لكي يظهروا في صفة ملائكة تطوعوا لتحرير الشعوب العربية، وأبطالا أخفوا ملامحهم الشيطانية تحت قبعة أحرار في خدمة تواقين للتحرر.
وهو ما يسمح للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، في الوقت الذي صوبت فيه المدافع الأمريكية والأوروبية والعربية فوهتها نحو الأرض الليبية، أن يقول وعيناه كادتا تدمعان – ليس تأثرا بل طمعا في ثمار الحصاد المرتقب – إنه وجماعته لن ينوبا عن الشعب الليبي في تقرير مصيره، متوهما أنه مازال في بلاد العرب من شعوب ثائرة سُذَّج سيصدقون ما يطالعونه كل يوم على الشاشات، من دموع التماسيح على مصير الشعب الليبي، المنخرط في معركة حاسمة، لكنها غير متكافئة، بين الفضيلة والشر، بين خيار الشعب والمستبد، الذي يلفظ أنفاس تحكمه الأخيرة من دون أن يدري، ويهدي بلده، على طبق من ذهب، للتتار الجدد، وسدنة وخدام الإمبراطورية الصناعية النافذة، وشركات النفط التي لم يحدث، أبدا، أن كان لها ميثاق إنساني يراعي منظومات القيم، إذ لا قيم لها سوى التي يتم تداولها في البورصات الدولية، والتي تدر المليارات في رمشة عين.
ينبغي لنا أن لا ننسى جريمة غزو العراق، وإبادة أكثر من مليوني عراقي، على يد الولايات المتحدة وحلفائها وعرب أمريكا وإسرائيل، مثلما لا يمكن أن ننسى ما تعرض له لبنان وأفغانستان من مجازر وإبادة على يد الكيان الصهيوني بأسلحة أمريكية وغربية، ودعم من الدمى العربية الحاكمة آنذاك.
ولا يمكن أن ننسى الهولوكوست، الذي تعرضت له غزة على يد إسرائيل، من دون أن يتحرك السيد أوباما وحلفاؤه العجم والعرب.
لقد كنا في حاجة، حقا، إلى دموع ساركوزي، ليذرفها رأفة بمأساة الشعب الفلسطيني، التي طالت واستطالت.
لكن هذه الدموع ستظل مؤجلة إلى أن يحول الفرقاء الفلسطينيون تناقضاتهم المميتة إلى نفط قادر على إغراء دول النفاق العالمي التي اعتبرت، في الحالة الفلسطينية بالذات، أن “دولة” إسرائيل هي نفطها ومصدر ثرائها واستقرارها، ونسيت أن الشعب الفلسطيني، مثله مـــــثل الشعب الليبي، شعب عربي تواق إلى الحرية، تكالبت ضده أهواء الشرق والغرب وظلم ذوي القربى، ولم تهب لنجدته طائرات ساركوزي ولا صواريخ أوروبا، ومن سبقه ومن سيليه من ‘محرري’ الشعوب الجدد، الذين هم في أمس الحاجة إلى من يحررهم من عقدة اسمها… إسرائيل! وهنيئا للسيد أوباما بجائزة نوبل للسلام والسلام.
