الرئيسية | أقلام حرة | محرقة العدالة

محرقة العدالة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
محرقة العدالة
 

في هذا المقال، سوف نتوقف عن نشر محتوى الملف الذي ذكر في المقال الماضي، وهذا لتقديم تعليق مختصر على "انتخابات" الأسبوع الأسبق، التي شكلت علامة فارقة أخرى في مستنقع هذا "اللغو السياسي"، والذي طالت نتائجه حتى المستوى اللغوي، حيث، وللفداحة غير المقيسة، يعترض نقاد المشهد السياسي -وبشدة- على وصف ما تعرض له الحزب بـ"الهزيمة"، أو حتى "السقوط"، ويستعيضون عن ذلك بألفاظ "المذبحة"، أو "المحرقة"، أو "الإبادة"، أو "الإذلال"...

والحقيقة أن الأمر لا يخرج عن السياق العام الذي يؤطره "الاستثناء المغربي".. فهذا الاستثناء قادر على تحويل أي فعل متعدّ إلى لازم، حتى يصبح القتل انتحارا، والإخفاء القسري اختفاء طوعيا، والإقصاء انتكاسة... دون أدنى شبهة للفاعل الحقيقي،، وقد تمت العملية بنجاح.. فالتدمير كان بفعل فاعل ظاهر تخفى بمكر في ضمير مستتر تقديره دمارا ذاتيا!!!..

فقد تمت تنحية الكثير من الإسلاميين من الحكم في الكثير من هذه الكنطونات المعربة، وعلى الأقل لاقوا تعاطفا كبيرا من جل أطياف المشهد السياسي، بل والشعبي، لأن الفاعل كان غير المفعول به.. أما وأن يجعلك المهندس تسقط تلقائيا، فقد حرمك حتى من تعاطف أتباعك.. بل حاز فخر أنه دمرك،، وبصفر تكلفة: تحييد بعيد المدى، دون دم أو اعتقال أو أية شوشرة جانبية تشوش الصورة أو تعكر المزاج.. إنه ربح خالص!!!..

وما يضاعف الغصة ويفاقم النكبة أن الناس قد حذروهم مرارا أن مصيرهم لن يكون أحسن حالا من مصير سابقيهم "الاشتراكيين": أداء دور "الخلال(cure-dents)"، أو "كلينكس" ذو الاستعمال لمرة واحدة، ثم يلقى في القمامة،، وقد كان.. لكنه عمى البصائر يصم الآذان.. لتبقى القاعدة راسخة والحكمة ثابتة: من هان على نفسه، لن يعز على غيره..

لقد اطمأنوا لـ"ضحكات" المخزن، ونسوا أن الأجداد قديما قالوا: " لا ثقة في المخزن"، و"المخزن ما عندو صاحب.."..

والحق أن التدمير لم يكن كله خلال الانتخابات(وإن كان جرى في هذه الانتخابات، كما ذكر أحد "الراصدين": "كل ما يخطر في البال، أو قد لا يخطر، من أساليب")، بل غالبه كان من خلال التوريط في تدبير الولايتين السابقتين، حيث تم تمرير جميع الموبقات، سواء الاجتماعية، أو حتى "المبدئية".. بل حتى الزيادات سارعوا إلى إخراجها في الوقت بدل الميت،، حتى تحسب على الميت!!!..

إن الخطأ كان في الدخول إلى معترك الخصم فيه هو الحكم، والملعب ملعبه، والقوانين هو من فصلها، و"المؤسسات" هو من أقرها... الخطأ إذن مبدئي/استراتيجي.. لكن، حتى بتجاوز هذا المستوى، ما دام ليس كل الناس ترى بضرورة تحييد قواعد اللعبة قبل قبول الانخراط في اللعب، أقول: حتى لو انتقلنا إلى المستوى الثاني من الأخطاء، أي الأخطاء التقنية/التنفيذية، والتي يتفق كل الناس(ومنهم كثير من "ناس الحزب") أنها أخطاء، فقد كانت كثيرة وكبيرة(...)، وإن كنت شخصيا أظنه ارتكب أغلبها وهو مضطر(وهنا نعود مرة أخرى إلى المستوى الأعلى السابق الذكر)..

لكن، مع كل هذا، لا يمكن بتاتا أن تبرر النتائج، سواء "محرقة" الحزب، أو "اغتناء" الخصوم،، والأطراف كلهم شركاء في التدبير، وسواسية في التعرض للاحتجاج(مقاطعة المنتجات، حملات منصات التواصل...)، وبالضرورة يجب أن يشملهم جميعا "التصويت العقابي"..

ودون الدخول في تفصيل عوامل التشكيك والريبة في المنحييْن(سقوط الساقطين، وفوز الفائزين)، يبقى التساؤل المشكك في "اللعبة" برمتها ملحا: كيف وقع هذا للحزب وهو "يرأس "الحكومة""؟ وماذا سيقع له عندما يكون على الهامش؟(ولا يقولن قائل: وقد كان، لأن الظرف غير الظرف: كان في كرسي الاحتياط من أجل أداء الدور،، وقد أداه)..

بل لماذا لم "يحتج" الحزب على المهزلة، وهو يعلم ما وقع ويلمز به؟ ما هي المطرقة التي فوق رأسه؟؟!!!..

والأسئلة تردنا حتما إلى المربع الأول مرة أخرى..

رد الحزب "عياري" قار: "وما العمل؟"..

وعندما يكون الجواب: "المقاطعة"، يطفو الازدراء والتسفيه والرمي بالعدمية، وكأن البوء بذنب الشعب والأمة، ثم الاندحار، أجدى من المقاطعة.. وكأن "العدمية المواقفية" أفدح من "العدمية الوجودية".. وكأن المقاطعة بدعا من الممارسات التي آتت أُكلها عبر التاريخ والجغرافيا، بل وكثيرا ما أتت بما لم تأت به المشاركة.. وكأن "كبيرهم" لم يناور يوما بأنه سـ"يلوح السوارت"، إذا وجد أن الأمر مستعص.. وكأن هذا ليس مقاطعة(لن أفصل في تشريح "مشروعية المقاطعة"، لأني كتبت فيها بإسهاب،، وعلى فترات..)..

إن إخواننا العداليين يتجاهلون السؤال الحقيقي: إلى متى؟ هل يجب أن يكون هناك سقف زمني نتأكد خلاله من إمكانية "الإصلاح من الداخل" من عدمها، أم نترك الحبل على الغارب إلى ما لا نهاية؟

في الحد الأدنى، فإن خيار المشاركة يمكن أن يكون خطأ، وعليه يجب وضع ضوابط التحقق(أهداف محددة بسقف زمني محدد) قصد الاختيار بين الاستمرار، أو تغيير الموقف.. لأنه لا يعقل أن يُترك الحبل على الغارب إلى ما لا نهاية.. لكنهم، وبداعي "الصمود"، يتصرفون ببرودة غريبة وكأن شيئا لم يحدث، ويستمرون في التنظير من خارج المجموعة الشمسية!!!..

أذكر أني التقيت صانعا هاجر بلده إلى بلد آخر، وقال أنه -اقتداء بناس منطقة معينة(...)- قد وضع لنفسه سقفا زمنيا لهدف محدد، إما أن يتحقق الهدف المحدد في الوقت المحدد، أو يهاجر إلى مدينة أخرى.. هؤلاء أفراد بسطاء يتحملون مسؤولية أنفسهم فقط، أو، وفي أقصى الأحوال مسؤوليتهم ومسؤولية أسرهم،، فكيف بحزب بكوادره، ومؤسساته، ومسؤولية شعب، بل ومسؤولية أمة بأكملها، على كاهله؟؟!!!..

 

في هذا النهج القار، الأمر محض مهزلة، لكن، أتمنى ألا تتوج بـ"نضال" أحدهم غدا من أجل إلغاء القرارات التي اتخذها هو نفسه أو حزبه بالأمس..

 
مجموع المشاهدات: 6922 |  مشاركة في:

الإشتراك في تعليقات نظام RSS عدد التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

مقالات ساخنة