الرئيسية | أقلام حرة | البعد العقدي في الهيمنة الغربية1

البعد العقدي في الهيمنة الغربية1

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
البعد العقدي في الهيمنة الغربية1
 

عرضنا، في المقال السابق، غيضا من فيض فظاعات الغرب ومؤامراته.. لكن تبقى أهم وأخطر مؤامرة على الإطلاق هي قدرته الماكرة على إضمار أبعاد صراعه الحضاري مع الحضارات المنافسة -وبالأخص تلك المتضادة معه وجوديا من جهة القيم-، وتمويه هذا المحرك العقدي الخالص..

لكن، وككل قاعدة، هناك بعض الاستثناءات التي تتفلت للرقيب، فيُظهر ما يبطن، كما وقع، مثلا، عندما جاهرت الكنيسة الأرثوذوكسية الروسية -مواكبة لعدوان بلادها، وتسويقا له، وتفاعلا معه- أن التدخل العسكري لموسكو في سوريا هو "معركة مقدسة".. هذا مع ابتعاد أدنى حدود الروس عن أقصى الحدود السورية بما يناهز الألف كلم على الأقل، حيث تفصل بينهما(في أقرب نقط التماس) دولتان هما تركيا وجورجيا!!!..

جهر يفيد أن الصراع هو حضاري، و"كوني"، وذو وازع "ديني"، وأن هذه المعركة، أو غيرها، لا تمثل فيه سوى حلقات جزئية تتناثر عبر التاريخ والجغرافيا،، وإن كان للباعث دلائل قديمة قائمة في الواقع والتاريخ، منذ الحروب الصليبية إلى تأسيس الكيان الصهيوني، ورفض دخول تركيا لـ"النادي المسيحي"... كل هذا والثابت الوحيد هو تقابل الملل بين الإسلام من جهة، والعهدين القديم والجديد من الجهة المقابلة،، والكفر ملة واحدة..

بل إن البعثات التبشيرية لنشر المسيحية كانت من أهم أعمدة الاحتلال الأوربي المباشر للعالم المستضعف خلال القرنين 19 و20!!!..

من جانبنا، نحن المسلمون، الإثبات راسخ في "دستورنا" الذي يسرد الأعداء الأبديين للمسلمين، ويخبرنا باستحالة نيل رضاهم.. ولا يكون غير الرضى إلا السخط، ولا يؤدي السخط إلا إلى العداء، وهو ما نعيشه.. الدستور الذي يقدم لنا التاريخ صراعا بين الخير/الإيمان والشر/الكفر منذ آدم عليه السلام وإبليس الرجيم، حتى معركة الفصل الكبرى..

ولحبك ذاك التمويه، فقد ادعى الغربيون نبذ الكنيسة وإبعادها عن الحياة السياسية.. بل وقاموا بثورات من أجل إقصاء الدين من المجال السياسي.. والحق أن موقع الدين ثابت في حياتهم السياسية، ولم ينقطع عن الحضور فيها، لا في الماضي ولا في الحاضر، حيث أنهم -إضافة إلى ما سبق من كون الدين كان عمادا وهدفا في الاحتلال، أي في أوج "الثورة عليه"- يشترطون في حكامهم أن ينتموا لدينهم، فلا يجوز ترشح غير من ينتمي له لتولي منصب رئاسة الدولة. بل إن برتوكولات ومراسيم تنصيب حكامهم الجدد لا تقام دون طقس كنسي أو شق ديني، وتنسب أحزابهم السياسية لدياناتهم، فلا تخلو دولة من أحزاب تحمل أسماء وشعارات دينية، كما أن جل أعلامهم تتضمن صليبا أو ترمز إلى التثليث(لأنه لا يستساغ أن تنحصر القيم في ثلاثة(03) كما يُرمز لها في جل تلك الرايات)، ويحضر رمز دينهم في شارات فرقهم الرياضية... بل إن أنموذجهم(الكيان المصطنع) المزروع في الشرق يقوم على أساس ديني، ويعمل على دسترة ذلك وتقنينه بشكل رسمي وعلني.. وكل ما في الأمر أنهم يطبقون دينهم -"الشكلي"- كما يفهمونه،، أو كما يريدون، وهذا شيء منطقي..

ومع هذا، هم يجدّون ويكدون ويبدعون كيما يوهموننا بانفصالهم التام عن دينهم وعقيدتهم في حياتهم السياسية، ليقتدي بهم أراذل بلاد المسلمين، وينكرون(الأراذل) وجوده في الصراع، ويسعون للتبرؤ وطمس أية إشارة إلى هويتهم الدينية كأنهم يستعرون منه،، بل يعملون على تعطيله من الأصل.. وكأن "أديان" الغرب حق ودين المسلمين باطل!!!..

إن مكر قادة الغرب الديمقراطيين المنبثقين من وسط شعوبهم، الممثلين لهويات أقوامهم الحقيقية، وبلادة القادة العرب المتسلطين المنفصمين عن هويات وانتماءات شعوبهم، ساعدا الأوائل على إخفاء الرابط الحقيقي واستبداله بروابط مزيفة، خشية أن يُضطر الأواخر لاتباعهم في إظهار ذلك الرباط الحق، فتصبح للمسلمين السيادة والريادة، كما هو موعود، لأن الغلبة لهذا الدين والانتصار لهذه الملة،، ولو بعد حين..

إن الأعداء يعون ما يفعلون، حتى إذا فشلوا في إزاحة الدين أو إنكار حضوره في الصراع أو التكتل، تظاهروا بتجاهله.. فإذا ما استمر الفشل ولم تنطل الحيلة، لجؤوا إلى تكتيكات الاحتواء والإفراغ... أما بنو جلدتنا فيغلفون الصراعات والتكتلات العقائدية بغطاء القومية واللغة والتاريخ(مع أن المسيحيين واليهود العرب لهم من الحقوق والامتيازات ما ليس لبني أوطانهم من المسلمين، مع الاشتراك في تلك القومية واللغة وذاك التاريخ..)، ويتناسون أن الغرب، شيطان الخفاء الأول، لا تجمعه لا لغة واحدة، ولا قومية واحدة، ولا تاريخ واحد، ولا حتى جنس واحد، وإنما تجمعه عقيدة واحدة، يتكتّل حولها.. أما العرب فهم من نفس الجنس، ولهم نفس التاريخ، ونفس اللغة، لكنهم مختلفون على بعضهم ومتفرقون شيعا، بأسهم بينهم شديد وهينون وهنون على غيرهم، لأنهم تركوا الرابطة الحقيقة، وفرطوا في الوثاق المتين الجامع، الاستمساك بالعقيدة..

 

يتبع..

 
مجموع المشاهدات: 5812 |  مشاركة في:

الإشتراك في تعليقات نظام RSS عدد التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

مقالات ساخنة