الرئيسية | أقلام حرة | حول المساجد2

حول المساجد2

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
حول المساجد2
 

تابع..

كما سبقت الإشارة إذن، وبذريعة إبراز الاهتمام بالدين، يغلب على كثير من المساجد طابع التباهي بالزخارف والتنميق والزركشة وفائض التجهيز في التحسيني، أو لربما "المعطَّل"، حتى ليُخيّل للوارد أنه في متحف، ينزع ما قد يكون علِق في قلبه من تركيز أو خشوع.. فضمرت روح العبادة وقصدها، وأصبح كل شيء شكليا، المسجد،، وأيضا الصلاة: طقوس جوفاء لا تؤدي أيا من أدوارها.. وسيأتي مقال يحاول أن يتأمل في تأدية الصلاة لدورها الاجتماعي المفترض بالنص الشرعي..

ويزداد السوء سوء عندما تجد أن الكثير من تلك التجهيزات الباهظة لا تستخدم(أي "معطَّلة" كما سلف)، ولا يستفيد منها الناس.. ولعل المثال الأوضح الذي قد يكون أثار استغرابا لدى غالبية الناس، هو اكتفاء "القيمين" على المساجد بفتح "البويْبات" الفرعية، ذات القياس العياري(حوالي متر على مترين)، رغم توفرها(المساجد) على بوابات عملاقة، قياس كل واحدة منها يناهز الأربعة أمتار عرضا(بطول علو المسجد).. ولا ندري لماذا يصممون بوابات بتلك الضخامة والتكلفة، وهم لا يستعملون إلا "بنيّاتها" البسيطة، ذات التكلفة الزهيدة؟؟!!!..

تحضرني هنا مقارنة المدة المستغرقة لإخلاء ملعب لكرة القدم، الذي يرتاده مئة ألف شخص، والذي(الإخلاء) يتم دقائق بعد نهاية المباراة، مع تلك اللازمة لإخلاء مسجد يرتاده بضع عشرات، ولا يتم إلا نصف ساعة بعد بداية خروج الحاضرين، مع ما يرافق ذلك من ازدحام، ومن "حشر الأحذية في أنوف المزدحمين"!!!..

من جهة أخرى، لا تفتح المساجد إلا أوقات الصلاة، وأثناء الفترة الفاصلة بين المغرب والعشاء، حتى أنك لو تأخرت عن الجماعة، ربما طردت، أو أغلق عليك الباب وأنت تصلي فذّا.. وذريعة هذا "الحرص" هي الخوف من السرقة.. أما السبب الحقيقي فهو الخوف فعلا، لكن من الاعتكافات وغيرها من الأنشطة التعليمية والتربوية والتثقيفية والتوعوية... التي يمكن أن تقام داخلها، من طرف الفاعلين الغيورين غير المروضين، والذين يشكلون كوابيسا للأنظمة المهترئة..

الحرص الشديد على إغلاق أول وأهم لبنة في دور التربية والتنشئة، وإقصاء تعسفي لكل أدوار المساجد والجوامع، واختزالها في "قاعات الصلاة"،، وتحت الطلب،،، تحت طائلة أن يصبح المصلي "مسجونا للإمام"..

ولمهازل التعامل مع المساجد أيضا "أوجه قانونية"، ومنها، مثلا، ما جرى في إحدى مداشر إقليم تطوان، حيث زاره أحد المحسنين ودخل مسجده، فوجد أرضيته مبلطة بالإسمنت فقط، ونوافذه تحتاج إلى تجديد.. فقرر الرجل أن يرصف الأرضية بالخشب، ليقي المصلين قر برد المنتجات الإسمنتية، وأن يستبدل النوافذ المهترئة بأخرى جديدة.. وما فتئت الأشغال أن بدأت حتى توقفت بفعل قرار "السيد" القائد، بذريعة ضرورة الحصول على رخصة!!!..

ولو تعلق الأمر بأشغال كبرى لفُهم التصرف حرصا على سلامة المصلين التي قد تهددها تلك الأشغال، إذا مست أسس أو أعمدة المسجد، فيتحمل "الرجل" المسؤولية والوزر،، لكن أن يفرض الحصول على رخصة من أجل الترصيف الخشبي، واستبدال النوافذ، فإنه يجب أن يفرضها أيضا عند شراء زربية، أو تغيير زجاج نافذة تكسر..

إن هذا الغيض من فيض المهازل يجري تحت رعاية ومسؤولية الجهة الرسمية المفترضة وصية، وزارة الأوقاف.. وهي أغنى،، وألْأم وزارة.. بحيث لا تتكفل بإنفاق(مقتِر) على مسجد إلا إذا كان "يملك" من العقارات ما يمكن أن تضمن إيراداتها الإنفاق التام على عشرات المساجد.. فتعيّن له شيخا إماما لا يكاد يُسمع نفسه، وخطيبا ببغاء، وربما مؤذنا أو منظفا أو بوابا، يقومون بدور "ساعي البريد"، أو سفراء النوايا الاستخباراتية(وإن كان الآخرون(الإمام والخطيب) غير منزهين ولا مبرئين).. حتى إذا "انقرض" أحدهم، واستراح منه المصلون، أقحمت الوزارة شيخا أكبر منه سنا، وأقل أجرا،، دون أي معيار، أو "مباراة"، أو حتى إعلام..

أما المساجد التي لا تملك مثل ذلك، فإنها تترك في ذمة السكان يرتجلون ويختلفون ويأتلفون كي يتكفلوا بإمام مسجدهم، يعولونه وهم في حاجة إلى إعالة..

مساجد أصبحت منصات للتسول، ليس فقط عند الأبواب، بل في الداخل، وأحيانا في الطابق العلوي(كما هو شأن أحد مساجد تطوان)، أمام مرأى كل أعين "وزارة الداخلية المكلفة بالإسلام"،، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على من نشد ضالته(بعيره) داخل مسجد، لأن "المساجد لم تُجعل لهذا".. لكن لا بأس، ما دام الأمر لا يهم الحكام، وإنما يؤسس ويكرس فقط أمة الضعف والخنوع والتسول والاتكالية...

 

مساجد أصبحت ساحات لتكريس فرقة الأمة وانقسامها وبث الخلاف فيها، عبر تثبيت بعض الآراء، وأحيانا "الطقوس"، عن طريق "استعمال" أولئك القيمين "المترهلين"، كما سنضرب أمثلة مقتضبة لذلك في المقال المقبل حول "اختراق وتوظيف الشأن الديني"..

 
مجموع المشاهدات: 28239 |  مشاركة في:

الإشتراك في تعليقات نظام RSS عدد التعليقات (0 تعليق)

المجموع: | عرض:

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

مقالات ساخنة