بقلم نجيب الأضادي
منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس عرش المملكة سنة 1999، لم يتعامل المغرب مع البحر باعتباره مجالا طبيعيًا محايدا، بل بوصفه رهانا سياديا ومسرحًا استراتيجيا لإعادة التموضع داخل النظام الدولي. فالدولة التي أدركت مبكرا أن الجغرافيا لا تَمنح القوة تلقائيا، اختارت أن تُدير موقعها البحري بعقل استراتيجي طويل النفس، حوّل السواحل إلى أدوات نفوذ، والموانئ إلى مفاتيح قرار اقتصادي وجيوسياسي.
لقد شكّل بناء وتطوير ميناء طنجة المتوسط لحظة مفصلية في تاريخ المغرب الاقتصادي، ليس فقط لأنه أصبح من أكبر الموانئ في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، بل لأنه أعاد تعريف وظيفة المغرب داخل سلاسل التجارة العالمية. لم يعد البلد مجرد نقطة عبور، بل فاعلا لوجستيا يتحكم في جزء من حركة التجارة بين أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين، ويستقطب كبريات شركات الشحن والصناعة، واضعا الاقتصاد المغربي داخل قلب العولمة الإنتاجية.
هذا التوجه لم يكن معزولا أو ظرفيا، بل اندرج ضمن رؤية متكاملة عززتها موانئ أخرى ذات وظائف استراتيجية مختلفة، من دعم التحولات الصناعية والطاقية، إلى تثبيت التنمية في الأقاليم الجنوبية، وصولا إلى التحضير لمستقبل الطاقة والتجارة. ويبرز هنا مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط كرهان سيادي جديد، لا يُقاس فقط بحجمه، بل بوظيفته المستقبلية المرتبطة بالغاز الطبيعي المسال، وأمن الطاقة، وربط المغرب بالأسواق الأوروبية في لحظة دولية تشهد اضطرابًا عميقًا في سلاسل الإمداد.
في السياق نفسه، لا يمكن فصل السياسة البحرية المغربية عن التحولات الجيوسياسية المتسارعة في محيطها الإقليمي، خاصة في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية. إن الصراع حول الموانئ والممرات البحرية، من باب المندب إلى خليج عدن، يعكس حقيقة مركزية.من يسيطر على الموانئ يملك القدرة على التأثير في حركة التجارة والطاقة والأمن العالمي.
في هذا الإطار، لا تبدو تحركات دول مثل إثيوبيا للبحث عن منفذ بحري، ولا قلق مصر على مستقبل قناة السويس، سوى مؤشرات على تحوّل الموانئ إلى أدوات صراع ناعم وخشن في آن واحد. وهو ما يفسر لماذا اختار المغرب أن يسبق الزمن، وأن يبني قوته البحرية بهدوء، دون ضجيج سياسي، ولكن بمنطق استباقي واضح.
فالمغرب لا ينافس من موقع رد الفعل، بل من موقع البناء المتدرج لقوة بحرية اقتصادية، تحصّن القرار الوطني، وتمنح المملكة هامش مناورة أوسع في علاقاتها الدولية. إن الاستثمار في الموانئ ليس مجرد خيار اقتصادي، بل جزء من عقيدة أمن اقتصادي تعتبر أن الاستقلال السياسي يبدأ من التحكم في مفاتيح التجارة والطاقة واللوجستيك.
وفي عالم يشهد تفككا تدريجيا لقواعد العولمة القديمة، وصعودا لمنطق التكتلات والممرات البديلة، يقدّم المغرب نموذجا لدولة صاعدة ، كبيرة في رؤيتها ومشروعها المستقبلي ، تحوّل موقعها الجغرافي إلى رافعة سيادية، وتستثمر في البحر باعتباره مجالا للنفوذ لا يقل أهمية عن البر والجو.
هكذا، لا يمكن قراءة سياسة الموانئ المغربية خارج سياقها الاستراتيجي الأشمل: مشروع دولة قررت أن تصنع مكانتها بذكاء، وأن تجعل من البحر أداة قوة، ومن الموانئ لغة سيادة، ومن الجغرافيا مستقبلا يدار… لا قدرا يُنتظر.
