إدريس الروخ يرد على اتهامات جزائرية بسرقة "البراني" ويكشف كواليس هذا المسلسل الدرامي المغربي الجديد

فوضى فوق سكة الترامواي.. دراجون يتحدون القانون في شوارع البيضاء

برطما تحت تصرفها .. سعدون يدافع عن سكينة بنجلون: غادي نوقفو معاها هي بنت المغاربة ومخصناش نتخلو عليها

سعدون يفجر حقائق جديدة في قضية مولينكس وبنشقرون: كانو بغاو ينشرو اللواط بين المغاربة مقابل المال

اختناق مروري رهيب بالدار البيضاء.. سائقون يفقدون أعصابهم ومواطنون يشتكون من غياب التسامح

الدكتور أماسي يكشف للصائمين خطة غذائية متوازنة للحفاظ على صحتهم خلال شهر رمضان

جلالة الملك محمد السادس والتحول الاستراتيجي لملف الصحراء المغربية في السياق الدولي الجديد

جلالة الملك محمد السادس والتحول الاستراتيجي لملف الصحراء المغربية في السياق الدولي الجديد

بقلم هفتي ضرار

لم يعد ملف الصحراء في السياق الدولي الراهن مجرد نزاع إقليمي قابل للإدارة التقليدية، بل تحول تدريجيا إلى عنصر بنيوي في إعادة تشكيل التوازنات بشمال إفريقيا والفضاء الأطلسي والساحل الإفريقي. فالقضية اليوم تتقاطع مع رهانات الأمن والهجرة والطاقة وإعادة انتشار النفوذ الدولي في القارة، ما يجعلها جزءا من معادلة جيوسياسية أوسع من حدودها القانونية التقليدية. وفي قلب هذا التحول يبرز الدور القيادي لجلالة الملك محمد السادس بن الحسن، باعتباره مهندس انتقال المغرب من منطق الدفاع الدبلوماسي إلى منطق المبادرة الاستراتيجية وصناعة التموقع.

ولا يمكن فهم هذا التحول دون استحضار الإطار الدستوري الذي يمنح المؤسسة الملكية موقع القيادة في القضايا السيادية الكبرى. فالملك، بصفته رئيس الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، يحدد التوجهات الكبرى للسياسة الخارجية والدفاعية، وهو ما يضمن استمرارية القرار الاستراتيجي بعيدا عن التقلبات الحكومية والظرفيات الحزبية. وإذا كانت مرحلة الملك الراحل الحسن الثاني قد اتسمت بإدارة النزاع ضمن سياق الحرب الباردة وتوازناتها الدقيقة، فإن المرحلة الراهنة اتجهت نحو نقل الملف من دائرة التدبير الدفاعي إلى دائرة هندسة الحلول وإعادة التموضع.

الرؤية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس

في صميم هذا التحول تتجسد الرؤية المتبصرة التي اعتمدت على استشراف التحولات الدولية. فالمقاربة لم تنتظر تبدل السياقات، بل سعت إلى التأثير فيها، من خلال تنويع الحلفاء وبناء شبكة علاقات متوازنة تمتد من العمق الإفريقي إلى الامتداد الأوروبي والأطلسي. ولم يقتصر هذا المنحى على التحرك الدبلوماسي، بل اقترن بمشروع تنموي واسع في الأقاليم الجنوبية، حيث جرى تحويل المجال الترابي من موضوع نزاع إلى قطب تنموي صاعد، مدعوم بالبنى التحتية الكبرى، والاستثمارات في الطاقات المتجددة وربطه بعمقه الإفريقي ضمن رؤية جنوب–جنوب متجددة.

وهكذا أصبح الدفاع عن السيادة ممارسة عملية تتجسد في التنمية والاستقرار، لا مجرد خطاب سياسي. وقد أتاح هذا التحول تعزيز مصداقية المقترح المغربي للحكم الذاتي باعتباره إطارا  عمليا وحيدا يوفق بين الحفاظ على الوحدة الترابية والانفتاح على تدبير ذاتي موسع في انسجام مع المعايير الدولية للحلول التوافقية.

وتشكل جولة المفاوضات التي انعقدت في واشنطن يومي 23 و24 فبراير 2026 نقطة مفصلية في هذا المسار. فقد جمعت هذه الجولة ممثلي المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو، إلى جانب موريتانيا والأمم المتحدة، تحت إشراف الوساطة التي تبذلها الولايات المتحدة لتسريع وتيرة الحوار حول مستقبل الصحراء. ولم تكن هذه الاجتماعات مجرد لقاءات روتينية، بل حملت طابعا عمليا جديدا تمثل في مناقشة آليات تنفيذية، وجدولة خطوات لاحقة للمضي في العملية السياسية، بناء على إقرار أرضية الحكم الذاتي كإطار تفاوضي أساسي. وتركت هذه الجولة انطباعا لدى المراقبين بأنها محاولة لتجسير فجوات الثقة بين الأطراف، عبر التحول من النقاشات العامة إلى صياغات محددة تتناول كيفية تنفيذ الحلول المقترحة على الأرض.

وقد سعت الوساطة الأمريكية خلال هذه الجلسات إلى تجاوز الجمود التاريخي عبر وضع جدول أعمال يتضمن آليات تقنية عملية، وتقوية التفاهم بين الأطراف على أساس واقعي، مع التأكيد على دور الأمم المتحدة كإطار مرجعي للتفاوض. وبذلك تعكس الجولة الأمريكية الحالية محاولة لإعادة شحن المسار التفاوضي بدينامية جديدة تعتمد على التقارب التدريجي بدل الانقسام القطبي، في ظل رغبة دولية متزايدة لتثبيت حل واقعي ومستدام.

وفي سياق مواز، شكل إعلان إدارة الرئيس Donald Trump سنة 2020 الاعتراف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية محطة مفصلية، إذ نقل النقاش إلى مستوى جديد وأعاد توجيه مركز الثقل نحو واشنطن باعتبارها فاعلا مؤثرا في إعادة تأطير النقاش الدولي حول القضية، وفتح الباب أمام إعادة تقييم مواقف قوى دولية أخرى في ضوء معادلات الاستقرار الإقليمي.

وتعزز هذا المسار مع تحولات أوروبية لافتة، خاصة في موقفي كل من إسبانيا وفرنسا اللتين اعتبرتا مبادرة الحكم الذاتي أساسا جديا وواقعيا للحل، ما يعكس تقاطعا بين الرؤية المغربية وحسابات الاستقرار في المتوسط والساحل. كما أن إدماج البعد الإقليمي، بما في ذلك دور موريتانيا في التوازنات المحيطة، يعكس وعيا بأن أي تسوية مستدامة لا يمكن أن تنفصل عن السياق الأمني والاقتصادي الأوسع لغرب إفريقيا.

وفي ضوء التحولات التي أعقبت الحرب في أوكرانيا وتصاعد التنافس الدولي في إفريقيا، باتت القوى الكبرى تبحث عن شركاء إقليميين مستقرين وموثوقين. وهنا يبرز المغرب كفاعل يتمتع بالاستقرار المؤسسي والوضوح الاستراتيجي، ما يمنحه وزنا متزايدا في حسابات الشركاء الدوليين. وبهذا المعنى، فإن ملف الصحراء لم يعد مجرد قضية حدودية، بل أصبح جزءا محوريا في إعادة تعريف موقع المغرب داخل النظام الدولي المتغير.

إن التحول الجاري يعكس انتقالا من منطق إدارة الصراع إلى منطق صناعة الحل، ومن الدفاع عن الموقف إلى بناء التوازنات، ومن الخطاب السيادي إلى السيادة المترجمة تنمويا واستراتيجيا. وبهذا تتكرس قضية الصحراء كرافعة لإعادة التموضع المغربي في محيطه الإفريقي والأطلسي، ضمن رؤية تمزج بين الشرعية التاريخية والواقعية السياسية، وبين الثبات على الثوابت والانفتاح على الحلول الممكنة، في سياق دولي تتزايد فيه الحاجة إلى الفاعلين الإقليميين القادرين على إنتاج الاستقرار لا الاكتفاء بطلبه.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
المقالات الأكثر مشاهدة