الأستاذ : الصادق بنعلال
1 - يشكل الإعلام مكونا أساسيا من مكونات صرح الدولة الحديثة ، لما يلعبه من دور محوري في الدفع بعملية الإصلاح الشامل بهدف تغيير واقع مرفوض و متجاوز و بنا ء عالم أكثر عدلا و حرية و كرامة .. فهو سلطة " رابعة " بعد السلطات التشريعية و التنفيذية و القضائية . و يكاد يجمع المعنيون بالشأن السياسي الوطني و الدولي على أن الإصلاح الهيكلي / الشامل الذي ينادي به " الجميع " ، لا يمكن أن يرى النور إلا عبر نظام إعلامي متطور و منسجم مع مستجدات الساحة الدولية ، التي تشهد حركية غير مألوفة بفضل الابتكارات النوعية و المذهلة في ميدان الاتصال و التواصل . و غني عن البيان الإشارة إلى أن الدول الراقية تشهد ديناميكية ملموسة في سياق الفاعلية الإعلامية : حيث أضحت الصحافة الورقية و الإلكترونية و الفضائيات .. أداة مثالية لنشر الخبر و المساهمة في تثقيف و توعية المواطنين و جعلهم مدركين لحقوقهم و واجباتهم ، و فهم ذواتهم و العالم المحيط بهم ، و فضح المفسدين في الأرض و ناهبي المال العام .. و على الرغم من المشاريع و الإنجازات الكبرى التي تعرفها المملكة المغربية في شتى الميادين السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية ، إلا أن الإعلام الرسمي يظل الحلقة الأضعف في مضمار التحولات التي تتخلل بنية المجتمع المغربي و تجربته التنموية الفتية .
2 - و هكذا لا يسعنا إلا أن نضم صوتنا إلى الشباب المغاربة الذي خرجوا و مازالوا يخرجون إلى الشارع مطالبين بالإصلاحات العميقة ، و منددين بالمستوى الهزيل لما يعرض من " مضامين و أشكال " الهياكل الإعلامية الخاملة. إن أي أحد من الغيورين على المصالح العليا و الدنيا للوطن لا يمكنه إلا أن يطالب هنا و الآن ، بتغيير النظام الإعلامي المغربي المتواضع ! فالأوراش العملاقة و الاستحقاقات المصيرية التي ينتظرها المغرب في العاجل و الآجل من مقبل الأيام ، تستدعي إحداث ثورة بأدق معاني الكلمة في الميدان المعني بالأمر ، لضمان إعلام مستقل و صحافة حرة تتعاطى مع كل قضايا المجتمع دون قيد أو شرط أو استثناء . و لن يتبلور هذا المبتغى الوطني و يتجسد على أرض الواقع إلا عبر إجراءات فعلية ؛ على رأسها إبعاد كبار المسؤولين في وزارة الإعلام ، و تكنيس المتطفلين و أنصاف الصحفيين الذين لا يملكون المؤهلات المعرفية و اللغوية والرؤيوية و المهنية ، و يفتقرون إلى آليات استقراء الواقع و استجلاء أبعاده من زاوية وطنية و إقليمية و كونية، و وضع حد للممارسات القروسطوية من محسوبية و زبونية و تغليب المصالح الذاتية و الضيقة على المصالح العليا و المقدسة للوطن .
3 - إننا في حاجة ملحة إلى إعلام مرئي و مسموع و مكتوب يعانق قضايا الوطن جملة و تفصيلا ، و يلامس الموضوعات اليومية للمواطن المغربي الذي يضطر للهجرة إلى الفضائيات و الصحافة الأجنبية ، التي لن تزيده سوى مزيد من القطيعة السيكولوجية مع الذات الجماعية و الاغتراب القسري عن الوطن . إن النقاش الوطني الحالي حول الإصلاحات الدستورية و السياسية و المجالية .. يستدعي حوارا مسؤولا و موضوعيا بعيدا عن المشاحنات المفتعلة و التناطح الفج حول المعارك الوهمية و الإشكالات المزيفة . و مجال هذه المطارحات برامج تلفزية و إذاعية و صحفية ؛ ورقيا و إلكترونيا ، و من مرجعية مهنية و أخلاقية ، يحركها هم واحد ألا و هو المساهمة في بناء مغرب مغاير ؛ مغرب الديمقراطية و العقلانية و الحداثة ، على أساس أن يفتح المجال لكل ألوان قوس قزح في التعبير الحر عن حال و مآل وطن يسكننا جميعا، دون خوف غير مبرر و رهبة من صدمة الانتقال من فترة القمع و الحكم المطلق إلى مرحلة فوضى " الحريات " . إننا نتفهم ضريبة الحرية و نوقن بأن هكذا فضاء سيستغله بعض المتطرفين و الغلاة يمينا و يسارا ، بيد أننا نؤمن في الآن عينه بأن لا بديل عن الديمقراطية إلا الديمقراطية و البقاء للأصلح .
باحث في قضايا الفكر و السياسة
