عمر أياسينن
ما يقع اليوم في مدينة الفنيدق لم يعد مجرد محاولات هجرة متفرقة، بل أصبح سوقا منظما تديره مافيا حقيقية للتهجير والاتجار في البشر، تستثمر في اليأس الجماعي الذي خلفه إغلاق معبر باب سبتة.
فمنذ إغلاق المعبر، فقدت الفنيدق مصدر رزقها الوحيد، وأغلقت المحلات، وتوقفت الحركة التجارية، ووجدت آلاف الأسر نفسها وجها لوجه أمام البطالة والفقر. هذا الفراغ الاقتصادي والاجتماعي الخطير لم يبق فارغا، بل سرعان ما ملأته شبكات التهجير التي حولت معاناة المدينة إلى تجارة مربحة.
لم تعد العملية مجرد شاب يقرر ركوب البحر لوحده، بل أصبحنا أمام مافيا منظمة لها سماسرتها ووسطاؤها ومروجوها على مواقع التواصل الاجتماعي. شبكات توهم الشباب والقاصرين بأن الطريق إلى سبتة سهل ومضمون، وتطلب منهم مبالغ مالية مقابل "الحماية" أو "المعلومة" أو "نقطة العبور"، ثم تتركهم يواجهون مصيرهم في البحر.
إنها مافيا تتاجر في البشر بكل ما تحمله الكلمة من معنى. تتاجر في حلم شاب عاطل، وفي دمعة أم، وفي يأس أسرة كاملة. تستقطب القاصرين من مدن بعيدة، وتنقلهم إلى الفنيدق وتكدسهم في منازل وشقق مكتظة، ثم تدفع بهم نحو المجهول في رحلات جماعية خطيرة.
والأخطر أن هذه المافيا لا تبيع البحر فقط، بل تبيع الوهم الجماعي. فقد حولت سبتة المحتلة في مخيلة الشباب إلى فردوس قريب، وصورت لهم أن العبور هو الحل الوحيد للخروج من الأزمة الجماعية التي تعيشها المدينة، بينما الحقيقة أن أغلب الرحلات تنتهي بالغرق أو الاعتقال أو العودة خالي الوفاض بعد خسارة كل شيء.
إن ما يحدث في الفنيدق اليوم هو التقاء أزمتين.. أزمة تنموية جماعية خانقة نتيجة غياب البديل الاقتصادي بعد إغلاق المعبر، وأزمة أخلاقية تتمثل في وجود مافيا تهجير لا ترى في الإنسان سوى سلعة قابلة للبيع والشراء.
ومواجهة هذه المافيا لا تكون فقط بملاحقة عناصرها، بل بتجفيف منابعها. فحين تعود التنمية إلى الفنيدق، وتخلق فرص الشغل الحقيقية، وتطلق المشاريع البديلة التي وعدت بها الساكنة، سيفقد تجار البشر بضاعتهم، وسيفقد سماسرة الوهم زبائنهم، وسيختار شباب المدينة البقاء في أرضهم بدل رمي أنفسهم في أحضان مافيا تبيعهم للموت.
