مَوسِمُ المُواطِن
لا أدري - كما لا أرى - إن كان الأسف يُجدي أمام الواقع السياسي والاجتماعي المعيش، هذا الواقع المتمرد على القيم، كل القيم، لأجل منافع غير مستحقة غالباً إن احتكمنا إلى القوانين "الجارية"، والتي كان معظمها من صُنع أو إِعدادِ معظمهم (...)
يجوز القول، كما يجيز الوصف، أن واقع سياسيينـا متمرد فعلاً على القيم الوطنية الأصيلة منها والمكتسبة حين نرى ونشهد قيمة "المواطن" في هذه الظروف، والتي باتت عالية جداً، وستزداد "رِفعة" بلا شك كلما اقتربنا أكثر من اليوم المعلـوم (23 شتنبر).
راحَ أهالي الأحزاب السياسية يَعِدون الناس بكل ما يخطر بالبال وحتى بما لا يخطر ! إذ لم تعد تثنيهم محدودية الإمكانيات، ولا الإكراهات الاقتصادية، ولا الظروف الدولية المرتبطة بالأزمات والحروب، ولا تصادم المعقول باللامعقول، ولا عدم قابلية هذا الهدف مع ذاك المثبط..، راحوا يعدون الناس ويُمنوهم بالممكن واللا ممكن.. ولا حرج ( !)
بات المواطن "قريباً جدا" من امتلاك مسكن، ومن التخلص من الفقر تماماً، ومن تيسير الزواج لمن هو عاجز عن تكوين أسرة، ومن توفر المشاريع العائدة عليه بالنفع وبالنعيم، ومن محاربة الفساد و"الفراقشية"، ومن الإنصات إليه كلما أراد أن يُنصَتَ إليه، ومواصلة البناء والتشييد لتحقيق النماء الشامل والمنشود..
باتت قيمة المواطن غاليةً، تُقـاس بقيمة الذهب، واتضح أن المواطن تَرتفع "سومته" كلما تقدمنا نحو تاريخ اليوم الكبير، يُنصَتُ إليه، ويُتَقبل منه حديثه وحتى ثرثرته، وحتى انتقاده، وحتى حدة انتقاده مهما علت، فهو الغالي، وهو بيت القصيد، وهو قطب الرحى، وهو "الأصل في بنية الوطن"، طبعاً !
لكن، أين القانون من كل هذا ؟
هل يجيز القانون استغفال المواطن ومغالطته ؟ هل يجيز القانون الجهر بالكذب ؟
ماذا لو عكسنا الآية.. أن يكذب المواطن على السياسيين ويستغفلهم، والحال أن عدداً مهماً منهم في السلطة، وزراء وذوو نفوذ..؟ !
قبل سنوات وقبل أشهر حتى، سمعنا من يعمد إلى الإساءة للمواطن، بل وإهانته، بل ومن داخل مؤسسة دستورية محترمة، سمعنا من يتعالى على الناس ويحتقرهم، سمعنا من يجرؤ على نعت المواطن بـ"الزمر".. بينما آلية القانون لم تتحرك ! وهنا أتساءل - بغباء - ماذا لو صدر، بضع ما صدر، من مُوَاطِنٍ مُنْفَعِلٍ نتيجة ظُلْمٍ مَا أو تَأَخُّرِ مَصْلَحَةٍ أو حَقٍّ مَا ؟
هنا تختلط الحيرة بالسخرية، أن يبدوَ السياسي في مشهد سِريـالي دون أن يدرك أنه بلا قيمة، وإن كان ذا مالٍ ونفوذٍ مؤقت، إلا أنه يفتقد للشرف والاحترام الحق، وكيف له ذلك وهو يخاطب الناس بلغة خشب مكشوفة بدل أن يتحدث بسند برنامج محترم قابل للتطبيق وللوجود، وبأسلوب تصالحي راشد شجاع، فمتى نتحرر من الأنانية والجشع ؟ !
متى نشهد سياسيا قدم استقالته واعتذر، لأنه أخفق في الوصول إلى ما وعد به ؟
متى نشهد إحالة سياسي على التحقيق والمحاكمة لأنه كذب، نعم لأنه كذب، أو غش، أو اختلس..؟
متى يكون المواطن معززاً مكرماً بحقوقه، ومدركـاً لواجباته مهما صغرت أو هانت..؟
متى يتساوى المواطن بين الكبير والصغير، ويشعر أيا كان - المواطن - بالمسؤولية نحو الوطن، انطلاقاً من الحي، إلى المدينة، إلى الإقليم، إلى مجموع الوطن من أقصاه إلى أقصاه، متى يسكننـا الشعور بالحب العذري نحو الوطن والاعتزاز به وبكل خصوصياته البيئية واللغوية والثقافية..؟، متى نجتمع على استنكار من يسيء إلى الوطن بالكذب، أو التمييز، أو الغش، أو الاختلاس، أو الخيانة..؟
متى نتخلص من ذهنية التعالي، واستغفال "المغفل" بالتلون حسب الظروف والمحطات والمناسبات، بلا أدنى حرج أو حيـــاء ؟
متى نرى الأحزاب السياسية مؤطرة حقيقية للمواطن في خدمة الوطن والغيرة عليه شمولياً بكل جهاته ومناطقه (المحرر منها والمحتل)، والدفع به نحو التقدم والنماء المستدام ؟
متى تحرص النخب على منافسة الشمال والغرب والشرق الأقصى بوطنية حقة وشرف عالٍ وجدية صادقة ؟
أم أننا سنظل على حالنا، كأن يبدو المواطن في موسمه (...) "ولياً صالحاً"، بينما قيمته الحقيقية تتجلى خارج الموعد الانتخابي.

أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.