شاشة أخبارنا

المزيد

حين تصبح التزكية سلعة: الترحال الحزبي يقتل معنى السياسة

حين تصبح التزكية سلعة: الترحال الحزبي يقتل معنى السياسة

مع اقتراب كل استحقاق انتخابي في المغرب، يتكرر المشهد نفسه حتى أصبح مألوفاً لدى الرأي العام: وجوه تنتقل من حزب إلى آخر، وأسماء تبحث عن تزكية هنا بعدما تعذر الحصول عليها هناك، ومناضلون كانوا بالأمس في صفوف حزب، ليصبحوا اليوم في صفوف حزب آخر، وكأن المبادئ السياسية يمكن تغييرها كما تُغيَّر بطاقة الانتماء.

إنها ظاهرة الترحال السياسي التي لم تعد مجرد حالات فردية معزولة، بل أصبحت، في نظر عدد من المتابعين، من الظواهر التي تثير أسئلة عميقة حول طبيعة الممارسة الحزبية والسياسية في المغرب.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا بسيط، لكنه محرج في الوقت نفسه: أين هي المبادئ الحزبية؟ وأين هو الالتزام السياسي؟ وأين موقع خدمة الوطن عندما يصبح الحصول على التزكية هو الغاية، بصرف النظر عن الحزب الذي يمنحها؟

لا ينبغي أن تتحول الأحزاب السياسية إلى مجرد محطات مؤقتة في مسار أشخاص يبحثون عن مقاعد انتخابية. فالحزب، في المفهوم الديمقراطي، مدرسة سياسية وفكرية ينتمي إليها الفرد لأنه يؤمن بمشروعها وأفكارها وبرامجها، لا لأنه يرى فيها مجرد بوابة للوصول إلى البرلمان أو المجالس المنتخبة.

فالمناضل الحقيقي لا يظهر ليلة الانتخابات، بل ينشأ داخل حزبه، ويتدرج في هياكله، ويشارك في مؤسساته، ويدافع عن مبادئه، ويتحمل مسؤولياته، ويخوض معاركه السياسية والفكرية. وبعد سنوات من العمل والنضال قد تأتي التزكية، لا باعتبارها مكافأة شخصية، وإنما باعتبارها تعبيراً عن الثقة في شخص راكم تجربة سياسية وتنظيمية داخل الحزب.

أما أن يظهر شخص قبيل الانتخابات، حاملاً ملفه الانتخابي، باحثاً عن الحزب الذي يمكن أن يمنحه التزكية، ثم يعلن ولاءه له، فإن ذلك يطرح سؤالاً مشروعاً حول طبيعة هذا الولاء: هل هو ولاء للمبادئ أم ولاء للترشيح؟

والأكثر إثارة للقلق أن الناخب نفسه قد يجد أمامه مرشحين لا يعرف عنهم شيئاً سوى أنهم يحملون شعار حزب معين. لكن هل يمثلون فعلاً أفكار ذلك الحزب؟ وهل عاشوا داخل تنظيمه؟ وهل شاركوا في صياغة مواقفه؟ وهل دافعوا عن برامجه قبل أن تلوح فرصة الانتخابات؟

إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن المشكلة تتجاوز الشخص المرشح لتطال صورة الحزب نفسه والثقة في العملية السياسية برمتها.

فالديمقراطية ليست صناديق اقتراع فقط، بل هي ثقافة قبل أن تكون انتخابات، وممارسة سياسية مستمرة قبل أن تكون حملة انتخابية موسمية. ولا يمكن بناء حياة حزبية سليمة إذا تحولت الأحزاب إلى مجرد "مظلات انتخابية" تستقبل هذا المرشح أو ذاك عشية الاستحقاقات، ثم تمنحه التزكية أملاً في الظفر بمقعد.

والحزب الذي يريد أن يكون مؤسسة ديمقراطية حقيقية، عليه أن يفتح المجال أمام مناضليه الذين قضوا سنوات في صفوفه، وأن يجعل التدرج التنظيمي والسياسي والكفاءة والنزاهة من المعايير الأساسية في اختيار المرشحين.

كما أن كل من يسعى إلى الترشح مطالب بأن يطرح على نفسه سؤالاً واضحاً: هل أريد فعلاً خدمة الوطن والمواطنين، أم أريد الوصول إلى المؤسسة المنتخبة بأي وسيلة؟

فخدمة الوطن لا تبدأ من كرسي البرلمان، ولا من شعار انتخابي، ولا من صورة معلقة في الشوارع. إنها تبدأ من الإيمان بأن العمل السياسي مسؤولية، وأن تمثيل المواطنين أمانة، وأن الوصول إلى المؤسسات المنتخبة ليس امتيازاً شخصياً، بل تكليفاً عاماً.

وفي عدد من الديمقراطيات، لا يُنظر إلى الحزب باعتباره مجرد وسيلة للترشح، بل باعتباره فضاءً للتكوين السياسي والتدرج وتحمل المسؤولية. وقد ينتقل السياسي من حزب إلى آخر لأسباب فكرية أو سياسية واضحة، وهو أمر موجود في تجارب ديمقراطية مختلفة، لكن الانتقال الذي يتزامن بشكل متكرر مع البحث عن التزكية والمقعد الانتخابي يظل أمراً مختلفاً ويستحق المساءلة السياسية والأخلاقية.

فالمشكلة، إذن، ليست في الانتقال من حزب إلى آخر في حد ذاته، وإنما في الانتقال الذي لا تحكمه قناعة سياسية واضحة، بقدر ما تحكمه مصلحة انتخابية ضيقة.

وهنا تتحول السياسة من مشروع لخدمة المجتمع إلى سوق للتزكيات.

وعندما تصبح التزكية أهم من المبدأ، يتحول الحزب إلى مجرد وسيلة، والمواطن إلى رقم انتخابي، والانتخابات إلى محطة للوصول إلى المناصب، بدل أن تكون آلية لاختيار من يملك القدرة والكفاءة لخدمة الناس والدفاع عن مصالحهم.

إن استمرار ظاهرة الترحال بهذه الصورة يضع الأحزاب المغربية أمام سؤال جوهري: هل تريد بناء مناضلين أم استقطاب مرشحين؟

والفرق بين الاثنين كبير.

فالمرشح قد يظهر قبل الانتخابات، أما المناضل فيبقى حاضراً قبلها وبعدها. والمرشح يبحث عن التزكية، أما المناضل فيبحث عن موقع يخدم من خلاله مشروعه السياسي. والمرشح قد يغير وجهته بتغير الحزب الذي يمنحه فرصة الترشح، أما المناضل فترتبط علاقته بحزبه بقناعة فكرية وسياسية وتنظيمية لا تنتهي بانتهاء موسم انتخابي.

ومن هنا، فإن إصلاح الحياة السياسية لا ينبغي أن يقتصر على القوانين المنظمة للانتخابات، بل يجب أن يبدأ أيضاً من داخل الأحزاب نفسها: من طريقة اختيار المرشحين، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، وإعطاء الأولوية للكفاءة والاستحقاق والعمل التنظيمي، والحد من منطق الاستقطاب الانتخابي الموسمي.

فليس من المنطقي أن يقضي شاب سنوات داخل حزب، ويتدرج في هياكله، ويشارك في أنشطته ويتحمل مسؤولياته، ثم يجد نفسه مهمشاً عندما يحين موعد الانتخابات، في وقت يحصل فيه شخص التحق بالحزب قبل الاستحقاق بأسابيع على التزكية لأنه يملك نفوذاً أو حضوراً انتخابياً أو قدرة أكبر على جلب الأصوات.

مثل هذه الممارسات لا تؤثر فقط في معنويات المناضلين، بل قد تضعف العمل الحزبي نفسه، وتدفع بالكفاءات إلى الابتعاد عن السياسة، وتكرس الانطباع بأن الطريق إلى الترشح لا يمر بالضرورة عبر الالتزام والعمل داخل المؤسسات الحزبية.

وفي النهاية، يبقى السؤال مطروحاً أمام كل من يطرق أبواب الأحزاب عشية الانتخابات: هل جئت إلى الحزب لأنك تؤمن بمبادئه ومشروعه السياسي، أم لأن الحزب يملك مفتاح التزكية؟

إذا كان الهدف هو خدمة الوطن، فإن الطريق الطبيعي يمر عبر العمل والتكوين والمشاركة وتحمل المسؤولية وإثبات الكفاءة، قبل طلب ثقة المواطنين.

أما التنقل من حزب إلى آخر فقط بحثاً عن التزكية، فلا يصنع بالضرورة من صاحبه مناضلاً، ولا يمنحه تلقائياً صفة رجل الدولة.

فالوطنية ليست شعاراً يُرفع خلال الحملات الانتخابية، والمبادئ ليست ورقة تُطوى عندما تنتهي صلاحيتها الانتخابية.

الوطن يحتاج إلى سياسيين يؤمنون بالمبدأ قبل المقعد، وبالمسؤولية قبل الامتياز، وبخدمة المواطن قبل البحث عن التزكية.

أما الترحال من أجل المقعد، فقد يكون في كثير من الأحيان دليلاً على أن المقعد أصبح أقوى من المبدأ.

 


أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.