شاشة أخبارنا

المزيد

اقتصاد "البوز" على حساب الدرك وسمعة المناطق.. بني أحمد نموذجا لانزلاق بعض مؤثري الشمال إلى صناعة الإثارة

اقتصاد "البوز" على حساب الدرك وسمعة المناطق.. بني أحمد نموذجا لانزلاق بعض مؤثري الشمال إلى صناعة الإثارة

منطقة تزخر بالكفاءات والأطر المهنية والفعاليات الاقتصادية والاجتماعية، لا يجوز اختزال صورتها في منشورات مثيرة عن المخدرات. وبين حرية التعبير والمسؤولية الإعلامية، يبرز سؤال أخلاقي حول من يبحث عن الحقيقة ومن يتاجر بالإثارة الرقمية.

لم تعد صناعة "البوز" على منصات التواصل الاجتماعي مجرد سباق عابر لجمع المشاهدات واستقطاب المتابعين، بل أصبحت لدى بعض الحسابات وسيلة لتضخيم الوقائع واستثمار القضايا الحساسة، حتى وإن كان الثمن هو الإساءة إلى سمعة مناطق بأكملها أو التشكيك في مجهودات مؤسسات تضطلع بمهام أمنية بالغة الأهمية.

وفي شمال المغرب، حيث تتداخل الملفات الاجتماعية والأمنية مع خصوصيات المجال القروي، تبرز ممارسات تستدعي النقاش حول الطريقة التي يتناول بها بعض المؤثرين وصناع المحتوى القضايا الأمنية والاجتماعية، ومدى احترام الحدود الفاصلة بين نقل الوقائع وصناعة الإثارة الرقمية.

وتقدم منطقة بني أحمد نموذجا لهذا النقاش، بعدما تحولت بعض المنشورات المتداولة إلى مادة توحي بأن المنطقة أصبحت بؤرة واسعة لتجارة واستهلاك الكوكايين، في تصوير قد يترك لدى المتلقي انطباعا مبالغا فيه عن واقع المنطقة، وكأننا أمام مشهد مستوحى من بعض بؤر المخدرات في أمريكا اللاتينية.

وهنا يفرض السؤال نفسه: هل أصبحت بني أحمد تزرع الكوكايين بدل القنب الهندي والزيتون؟ أم أننا أمام تضخيم إعلامي لوقائع محددة، جرى تقديمها بطريقة قد تسيء إلى منطقة وسكانها؟

بني أحمد ليست مجرد عنوان في ملف المخدرات.

إن اختزال منطقة بأكملها في ظاهرة اجتماعية أو أمنية واحدة يمثل ظلما في حق تاريخها ورصيدها البشري. فبني أحمد تزخر بالكفاءات والأطر المهنية، وتضم أطباء وقضاة ومحامين ورجال أعمال وأساتذة وأطرا إدارية وفعاليات جمعوية ومدنية، فضلا عن أبناء المنطقة الذين بصموا حضورهم في مجالات مختلفة داخل المغرب وخارجه.

هؤلاء جميعا جزء من صورة المنطقة وهويتها، ولا يمكن أن تختفي مساهماتهم ومساراتهم المهنية والاجتماعية خلف منشور مثير أو عنوان يبحث عن الانتشار.

ولا أحد ينكر أن المخدرات بمختلف أنواعها تشكل آفة اجتماعية خطيرة، وأن انتشارها في المدن والقرى يرهق الأسر ويهدد مستقبل الشباب ويضع المؤسسات المعنية أمام تحديات متواصلة. لكن الاعتراف بخطورة الظاهرة لا يعني القبول بتضخيمها أو تحويلها إلى مادة للتشهير والتعميم.

المؤسسات الأمنية والعمليات الميدانية.. الصورة الكاملة لا تختزل في منشور.

ومن الضروري الإشارة إلى أن محاربة الجريمة والاتجار بالمخدرات لا تتم في فراغ، إذ تندرج العمليات والتدخلات الأمنية المتواصلة التي تشهدها المنطقة ضمن الجهود التي تبذلها القيادة الجهوية للدرك الملكي بتطوان، بتنسيق مع سرية بني أحمد وباقي المصالح المختصة، من خلال عمليات المراقبة الدائمة والتدخلات الميدانية والتصدي لمختلف الأنشطة الإجرامية.

وهي جهود تستحق التناول الإعلامي الموضوعي، كما تستحق أي اختلالات محتملة أن تخضع للنقد والتحقيق والمساءلة. فاحترام المؤسسات الأمنية لا يعني منحها حصانة من النقد، مثلما أن ممارسة النقد لا تمنح أي شخص الحق في إطلاق اتهامات دون أدلة.

هل تحولت الملفات الأمنية إلى أدوات لتصفية الحسابات؟

الأكثر إثارة للتساؤل في بعض المنشورات ليس مجرد تضخيم ظاهرة المخدرات، بل الخلفيات المحتملة التي قد تحيط بطريقة تقديمها.

فبعض الصياغات توحي وكأننا أمام رواية جاهزة، الأمر الذي يفتح باب التساؤل حول احتمال توظيف ملفات مرتبطة بالمخدرات لتصفية حسابات شخصية أو ممارسة ضغط إعلامي على بعض رجال الدرك الملكي، على خلفية تدخلات وإجراءات مرتبطة بزراعة القنب الهندي.

وتظل هذه مجرد تساؤلات واحتمالات تستوجب التحقق، وليست اتهامات ثابتة. وإذا كانت لدى أصحاب المنشورات أسماء أو معلومات موثوقة بشأن تجار المخدرات وشبكات الترويج، فإن الطريق المسؤول هو تقديم الأدلة والقرائن إلى الجهات المختصة، حتى تأخذ المساطر القانونية مجراها.

إلى الصحفيين والمؤثرين وصناع المحتوى: الكلمة مسؤولية.

هناك فرق جوهري بين الصحفي الذي يتحقق من المعلومة، ويبحث عن مصادرها، ويستمع إلى مختلف الأطراف، ويحترم أخلاقيات المهنة، وبين من يكتفي بإنتاج محتوى مثير من أجل رفع نسب المشاهدة.

فالصحافة المهنية تقوم على التحقق والتوثيق والإسناد واحترام حق الرد، ولا تختزل في عناوين صادمة أو مقاطع مبتورة أو اتهامات غير مكتملة. أما المؤثر وصانع المحتوى، فرغم اختلاف طبيعة عمله عن العمل الصحفي، فإنه يتحمل بدوره مسؤولية أخلاقية عن المعلومات التي ينشرها والآثار التي قد تترتب عليها.

ليس كل من امتلك هاتفا أصبح صحفيا، وليس كل من حصد آلاف المشاهدات كشف حقيقة، وليس كل محتوى مثير دليلا على وجود عمل إعلامي ناجح.

يحق لصناع المحتوى ممارسة حرية التعبير والنقد، لكن من واجبهم أيضا احترام كرامة الأشخاص وسمعة المناطق والمؤسسات، والابتعاد عن التعميم والتشهير وصناعة الروايات التي لا تسندها معطيات موثوقة.

لعنة الله على البوز حين يصبح البحث عن المشاهدات أهم من الحقيقة، وحين تتحول معاناة الأسر ومجهودات المؤسسات الأمنية وكرامة السكان إلى وقود للانتشار الرقمي.

في النهاية، لا تحتاج بني أحمد وغيرها من المناطق إلى روايات مثيرة تصنع لها سمعة افتراضية، بل تحتاج إلى إعلام منصف، وإلى مواصلة الجهود الأمنية والتنموية، وإلى صحافة تمتلك شجاعة كشف الاختلالات دون اختلاق الوقائع أو تضخيمها.

فبني أحمد أكبر من أن تختزل في منشور، وأهلها أكبر من أن تختصر صورتهم في ملف للمخدرات. ومن يبحث عن الحقيقة عليه أن يقدمها كاملة، لا أن ينتقي منها ما يضمن له البوز.

الحقيقة أولا.. والمسؤولية قبل المشاهدات.


أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.