عبد الله الدامون
عندما مات فرانكو سنة 1975، تنفست إسبانيا الصعداء ودخلت البلاد مرحلة بناء حقيقية، وبدا وكأن السماء انفتحت من جديد أمام الشعب الإسباني الذي عانى قرابة 40 عاما من حكم فردي قاهر.
لم يكن فرانكو لصا، لكنه كان دكتاتورا، ومع ذلك فإنه أعد البلاد لكي تتحول بعد موته نحو ديمقراطية تدريجية، وهذا ما لم يعجب الكثير من أجهزة الدولة التي كانت تتربص بـ«العهد الجديد» في إسبانيا، وهو كان عهدا جديدا حقيقيا وليس مجرد عبارات يابسة في وسائل الإعلام.
بعد سنوات قليلة على موت فرانكو، تم الاعتراف بالأحزاب الممنوعة. وكانت أبرز مرحلة هي تلك التي تم الاعتراف فيها بالحزب الشيوعي الإسباني، وخرج «شيوخه» من السجون أو عادوا من المنافي، وذلك بعد أن غيروا قناعاتهم من فكرة التغيير الجذري وقلب النظام وخلق دولة شيوعية إلى المساهمة مع الجميع من أجل تقدم البلاد في أجواء الديمقراطية والعدالة والحرية الاجتماعية.
كثيرون في إسبانيا، بينهم أمنيون وجنرالات ورجال أعمال وسياسيون بارزون، كانوا يعتبرون الشيوعيين إرهابيين لا ينبغي الاعتراف بهم لأن نواياهم مبيتة ضد النظام وسيحاولون الانتقام من سنوات القمع والسجون التي عانوها أكثر من غيرهم.
لكن الشيوعيين برهنوا عن انخراط مثير في الحياة السياسية وصاروا جزءا من المجتمع لبناء إسبانيا الموحدة والقوية والمزدهرة، وهذا ما لم يعجب صقور النظام المتلاشي الذين بدؤوا في حبك خيوط المؤامرات للإيقاع ما بين الديمقراطية الفتية والشيوعيين، لأنهم كانوا يريدون إسبانيا لهم لا لغيرهم.
بمجرد أن أحس صقور النظام القديم بأن استمرارهم في نفس أساليب فرانكو ستكون مستحيلة وأن الزمن يتغير رغم أنوفهم، بدؤوا في ابتكار كل الوسائل التي تعرقل السير نحو الديمقراطية، بينها اعتقالات ومحاكمات الصحافيين وتفجيرات في أماكن مختلفة من أجل جعل الإسبان يخافون من عهد الحرية والديمقراطية. وحين لم ينجح كل ذلك، تم حبك مخطط جهنمي لوضع حد لدمقرطة البلاد.. ففي صباح 23 فبراير، وبينما كان البرلمان الإسباني يستعد لمنح الشرعية للحكومة الجديدة التي كان يرأسها ليوبولدو كالفو سوتيلو، اقتحم العشرات من أفراد الجيش والحرس المدني البرلمان، وأطلقوا الرصاص في الهواء، وتم إعلان انقلاب عسكري، والهدف هو «إخراج البلاد من حالة الفوضى وإعادتها إلى السكة الصحيحة»، وهذا معناه إعادة البلاد إلى زمن فرانكو، أي أن العهد الجديد سيكون بالاسم فقط.
الانقلاب العسكري في إسبانيا كان مدعوما من طرف كبار الجنرالات، وأيضا من سياسيين بارزين. وفي لحظة ما، اعتقد الجميع أن كل شيء انتهى، وأن الحلم بالعدالة سيتم دفنه يوم 23 فبراير. ولكي يعطي الانقلابيون المزيد من القوة لحركتهم، أعلنوا أن الملك معهم، وأنه وافق شخصيا على هذا الانقلاب من أجل وقف الفوضى، وأنه بدوره يعادي الشيوعيين ولا يريد أن يعطيهم حق العمل السياسي العلني لأنهم يهددون استقرار البلاد.
هكذا وقفت إسبانيا يوم 23 فبراير على شفير الهاوية، ولا يزال الإسبان يتذكرون هذا اليوم الأسود الذي كان بإمكانه أن يعيد البلاد عقودا طويلة إلى الوراء، إلى ماضي السجون والمنافي والاعتقالات الظالمة والحرب الأهلية. كان يوم 23 فبراير يعني أن حركة الجمود والقهر لا تزال قوية، وأنها لا تزال مستعدة للإجهاز على حركة الشعب التي تطالب بالعدالة والحرية.
لكن ماذا حدث حتى أفلتت إسبانيا من ذلك الجحيم؟ لقد خرج الملك عن صمته وأعلن صراحة أنه مع الشعب وليس مع الانقلابيين. كان خطاب الملك حاسما لسببين، أولا لأنه يعرف جيدا أن لا أحد يمكنه أن يقف في وجه مطالب الشعب العادلة، وثانيا لأنه لا يمكن أن يتحول من ملك يمثل الأمل إلى ملك يمثل الرجعية والعودة إلى الخلف.
الملك كان مطلوبا منه أن يتكلم في اللحظة الحاسمة، فتكلم وقضى على آمال الذين كانوا يستغلون صمته، ولو أنه ظل صامتا لتحولت البلاد إلى حلبة للفوضى أو لصارت اليوم جمهورية.
