لأستاذ : الصادق بنعلال
(1)
شاع مؤخرا في الصحافة الوطنية ؛ الورقية و الإلكترونية الحديث عن " تراجع " حرية الصحافة ببلادنا ، و تناول مختلف العوائق و الإكراهات التي تواجه المنخرطين الفعليين في مهنة " المتاعب " . و الواقع أنه لا أحد يقبل المساس بحرية التعبير عن الرأي و نقل المعلومة إلى المتلقي في هكذا مرحلة تاريخية موسومة بالحداثة و الانفجار المعلوماتي ، بل إن المؤمل هو العمل من أجل خلق مناخ حضاري يستلهم قيم الديمقراطية و التسامح و الحرية .. و الامتثال لمنطق العصر . بيد أن الصورة المطابقة لراهن الصحافة المغربية ليست بالقتامة التي يستعرضها بعض الإعلاميين " المتمرسين " ، سواء من منطلق الغيرة على حال و مآل المعطى الصحفي الوطني ، أو من باب الاندفاع الإعلاموي الزائد على اللزوم . صحيح إننا لا نعيش عرسا صحفيا حيث المعالجة المحايدة و المسؤولة لكل ما يشغل الناس و يملأ الدنيا، غير أننا – و في الآن عينه – لسنا في مأتم " يحيل على مناخ الترهيب و محاصرة الرأي الآخر. بل إن البعض هرول مسرعا " يبحث " عن المنظمات الدولية " المستقلة " للاستدلال على صواب وجهة نظره و رجاحة موقفه إزاء" نضوب" منسوب حرية الصحافة ببلادنا . و من البديهي أننا نقدر كل من يدلي بدلوه للدفع نحو الأفضل بعربة المنجز الصحفي ، الذي لا يختلف كثيرا عما تعيشه مختلف المنابر الإعلامية العربية و الدولية .
(2)
إن الفعل الصحفي قبل أن يكون شكلا من أشكال التعبير عن قضايا الوطن و العالم ، هو رسالة إنسانية عظمى و موقف أخلاقي من الذات و الكون و المجتمع ، إنها وسيلة نوعية من أجل المساهمة في تغيير المعايير الوجدانية و العقلية ، و أداة فعالة لنشر الوعي الحداثي و المقاربة النقدية و العقلانية للظواهر الإنسانية . و إذا انطلقنا من هذا الإطار المرجعي و المفهومي ، سنجد أن أعطاب " الإبداع " الصحفي عندنا لا ترجع فقط إلى الآخر : السلطة السياسية و الدينية و الأخلاقية ، بل تعود و ربما بنفس الدرجة إلى بعض " الصحفيين " أنفسهم ، الذين لا يبذلون جهدا من أجل تجويد عملهم الإعلامي و الالتزام بأخلاقيات المهنة ، و التسلح بالبصيرة النقدية و الحياد الموضوعي ، بقدر ما يبرعون في الإثارة و القفز على إشكالات المواطن الملموسة و ما أكثرها.. مما يجعلهم يسبحون في بحر المديح المجاني أو محيط العدمية البلهاء . إن الذين يتباكون عن " تراجع " حرية الصحافة يتناسون أن المغرب هو البلد الوحيد في العالم الذي " شاءت " الأقدار أن يكون محاصرا بمحيط إقليمي عدائي ، و مهدد في وحدته الترابية ، بل إنه البلد الوحيد الذي يصطف بعض " صحفييه " مع العدو ، و يجهرون بذلك ، فضلا عن ولع بعض أدعياء مهنة المتاعب باصطناع المعارك الوهمية و النعرات العنصرية البائدة ، و التهجم غير المبرر على قيم المجتمع الثقافية و الدينية و بشكل سافل .
(3)
و على النقيض من ذلك تماما ؛ لا يسعنا إلا أن نرفع أسمى التحيات و التقديرات إلى كل الغيورين على العمل الصحفي الشريف و النبيل ، و الكلمة الصادقة و الموقف الشجاع حيال ما تمر به الساحة الوطنية و الدولية من أحداث جسام ، و بالمناسبة فإننا نغتنم هذه الفرصة للتعبير عن تضامننا المطلق مع الزميل رشيد نيني مدير جريدة المساء المغربية ، لما عهدنا فيه من استقامة و استماتة في الدفاع عن القيم العليا التي يرتكز عليها المجتمع الدولي من عدل و مساواة وكرامة و محاربة لكل المسلكيات السياسوية الهجينة . إننا لا ندافع عن أية جهة و لا نعادي أحدا ، بيد أننا نصدر عن قناعة واضحة المعالم و القسمات ؛ مفادها أن بلدنا الذي يسكننا جميعا يمكن أن يكون أفضل بكثير في الأمد القريب في ظل النظام الملكي الديمقراطي بحصر المعنى ، و المناخ الديني المعتدل و الوحدة الترابية للوطن ، مما سيمهد لمغرب مغاير ، تلعب فيه الصحافة الحرة دورا محوريا في التحديث و العصرنة ، و مأسسة المجتمع المغربي ، عبر انتقاد كل مواطن القصور و الضعف في ممارسة الشأن العام دون تخندق أو تمترس وراء نزعات متطرفة يمينا و يسارا ، و
ليعمل كل المنتسبين إلى " صاحبة الجلالة " على توجيه بوصلتهم نحو تفتيت البنية التحتية للفساد بكل أطيافه ، بروح وطنية مترفعة عن سفاسف الأمور ، و لتكن مقصديتنا لباب الفعل السياسي العام و ليس مظهره الخارجي .
باحث في قضايا الفكر و السياسة
