ادعدي ابراهيم
يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر وجيلا بعد جيل يتأكد أن المغرب بلد الاستثناءات بامتياز ، مند الأزل، تاريخيا وجغرافيا وثقافيا ، ولذا يحق لكل المنادين بان المغرب استثناء ، أن يتمسكوا بذلك ، لان الوقائع والأحداث الأخيرة تؤيد ذلك وتؤكده من جديد ،إما سلبا أو إيجابا .
فما تشهده الدول العربية والإسلامية في الآونة الأخيرة من حراك سياسي ديمقراطي وتحولات وثورات في العديد من المجالات ،وما صاحبه من إراقة الدماء ، وإزهاق لأرواح العديد من الشهداء ، وإسقاط لمجموعة من الأنظمة والرؤساء ، يتضح جليا أن المغرب في هذا الخضم يشكل استثناء من جديد .
فثورة الشباب بالمغرب كانت مخالفة لغيرها من الدول الأخرى شكلا ومضمونا وحتى استجابة لمطالبها ، فمن حيث الخروج فقد كان سلميا والمطالب كانت سياسية واجتماعية ومختلفة على العموم ، إلا أنها لم تتجاوز سقفا محددا ،كما أن حركة 20 فبراير لم يمثلها تيار معين بعينه بل هي خليط من جميع أبناء الشعب بالإضافة إلى بعض السياسيين والحقوقيين، كما أن تعامل الداخلية مع هذه الحركة كان استثنائيا ، بحيث تعاملت مع الحدث بذكاء ونوع من الخداع في بعض المدن ، بحيث حاولت توريط الحركة الاحتجاجية في خندق البلطجة والفوضى واللامسؤولية، وان الخارجين في حركة 20 فبراير ما هم إلا فئة من الشباب ألغير مسؤول ، وهذا استثناء في التعامل يحسب للداخلية .
وحتى الاستجابة لمطالب الحركة كانت استثنائية إد يعتبر خطاب 9 مارس مفاجئا للجميع ،متجاوزا لكل التوقعات ومطالب بعض الأحزاب والمنظمات الحقوقية وهو عامل آخر يحسب للمغرب في هذه الظروف .
أضف إلى ذلك محاولة الحكومة في ضبط الاحتقان الاجتماعي بفتح باب الحوار الاجتماعي ومحاولة الاستجابة للعديد من مطالب النقابات والفئات الشبابية المعطلة ، وقد تم اجراة اغلب ملفات الحوار الاجتماعي بمراسيم استثنائية من طرف الوزير الأول ، مما حتم على الحكومة تخصيص ميزانية استثنائية لتنفيذ هذه المطالب .وبالتالي ستكون لها نتائع وعواقب استثنائية على البلاد .
ولما بدأت المقاومة المضادة لربيع الثورات الشبابية في البلدان العربية كان المغرب استثناء من جديد بحيث لم يسلك منهج الدول الأخرى في تحجيم والقضاء على حماسة الشباب المتعطش إلى الحرية والديمقراطية والعيش الكريم .
فتونس مثلا بعد أن عجز النظام السابق في كبح الثورة في بدايتها بالقوة بدا يلوح ويهدد (عن طريق حكومة الظل ) بالقيام بانقلاب عسكري في حالة فوز الإسلاميين بالانتخابات ، وفي مصر لازالت (حكومة الظل ) تلعب على وثر الحروب الطائفية بين المسلمين والأقباط وذلك بمساعدة" الموساد الصهيوني" الذي كان قد تغلغل في السياسات المصرية ولازال ، أما ليبيا فهي لازالت تواجه موجة من طيور الحرية بتوجيه فوهات بنادقها إليها دون اعتبار للعواقب والنتائج الوخيمة لذلك على الشعب الليبي والأمة بصفة عامة ، أضف إلى ذلك ما يحدث في اليمن وسوريا من ذبح وسفك لدماء المدنيين ، وهتك للأعراض وسلب للحريات واستبداد في اتخاذ القرارات ولفق للاتهامات للثوار والمطالبين للحرية وسقوط أنظمة الظلم والعار .
أما المغرب فقد كانت ردته في الإصلاح الديمقراطي استثنائية من جديد ، وذلك بمحاولة لفت الانتباه وتحويل التوجه العام للمغاربة إلى معارك وقضايا أخرى إما عن طريق خلقها أو إعادة إثارتها من جديد .
ومن أهم هذه الإحداث التفجير الإرهابي الذي أدى 16 قتيلا مقهى" اركانة" بمراكش والتي تعتبر من أكثر المدن المغربية تصعيدا وحدة في نضالها إلى درجة أن هناك من ينادي بإسقاط النظام ، ولهذا كان من البديهي أن يكون هذا التفجير الإرهابي بمراكش للفت انتباه المراكشيين أولا والمغاربة بشكل عام ثانيا .
زد على ذلك إقامة مهرجان موازين رغم أنوف المغاربة وما صاحبه من حملة إشهارية غير مسبوقة ، وإقامة سهرة استثنائية بمراكش ، واضطهاد لكل من يحاول التنديد به صحافيا وسياسيا ، وبالأموال التي تبذر فيه بسخاء .
ولم تكن قضية اعتقال مجموعة من الصحافيين من بينهم رشيد نيني وتأجيل محاكمته أكثر من مرة وتحديد استئنافية الرباط يوم 21 من ماي للحكم على توفيق بوعشرين إلا استمرارا الدولة في ثني المغاربة عن النقاش الحقيقي و الأصلي والمتمثل في الإصلاح الديمقراطي ومحاكمة المفسدين وتنزيل دستور جديد على ارض الواقع ، وانتخابات نزيهة ، حرة وديمقراطية ، وسماع لصوت الشعب بدل نهج سياسة الصم والبكم ، والحجر على تصرفات الشعب والشباب واعتباره قاصر ..مما سيؤدي بالمغرب _ لا قدر اله _ إلى حالة استثنائية لا تحمد عقباها .
وتأتي هذه الاستثناءات والمراوغات وعرقلة السير الصحيح للإصلاح بالمغرب ، من اجل حفاظ ذوي المصالح وأعداء الإصلاح الديمقراطي على مصالحهم ، مما يدل على أن المغرب سيبقى دائما استثناء كما كان ، وذلك إلى اجل غير مسمى .
