فليحي الوطن .. و لتسقط العدمية !!
الأستاذ : الصادق بنعلال
1 - من تحصيل الحاصل القول إن الوضع المغربي و العربي يختلف جذريا عما كان عليه في الأشهر القليلة الماضية ، بفضل الغليان غير المسبوق الذي وسم عددا غير قليل من " الأنظمة " العربية الغارقة في محيط الاستبداد و القمع و إسكات الشعوب و نهب ثرواتها .. و لئن كانت بعض " الزعامات " قد تعاطت مع مطالب الشارع و ميادين التحرير و التغيير بأقصى درجات العنف الدموي ، ومنذ الأيام الأولى من المطالبة بالإصلاحات الهيكلية ( مصر ، تونس ، ليبيا ، اليمن ، البحرين ، الجزائر ) فإن المملكة المغربية حدت عن هذه " المنهجية " العربية بامتياز ، و تمكنت من قراءة الوضع السياسي العام من زاوية مخصوصة : استباق الأحداث و الوصول في الموعد ، من أجل الحل الجماعي للمعادلة الصعبة ؛ كيف يمكن إرضاء الشارع التواق إلى إحداث إصلاحات إستراتيجية ، تقطع مع نمط من الحكامة منتهية الصلاحية ، دون السقوط في دوامة العنف الأخرق ؟ نحن لا نوقع شيكا على بياض ، و لا ندافع عن التجربة المغربية قيد المعاينة من باب الشوفينية الضيقة و النرجسية الوطنية العمياء ، بقد ما أننا نقدم تحليلا ملموسا لواقع ملموس . مرت ثلاثة أشهر و الشباب المغربي يخرج باستمرار و بأسلوب راق للتنديد بمظاهر الحيف و الفساد التي يحفل بها الواقع دون مزايدة ، و المطالبة بمزيد من اليقظة ، و الاستمرار في التجمهر الحضاري لحماية المكتسبات و الدفاع عن المعذبين في الأرض من المعطلين و أصحاب الحقوق المهدورة ، و لم تسجل طلقة رصاص واحدة ، مما اعتبر نقطة ضوء منيرة في عالم عربي حالك الظلمة .
2 - و في نفس السياق أبان أصحاب القرار و السلطات العليا عن ذكاء سياسي راجح ، حيث واصل المسؤولون و على رأسهم الملك محمد السادس إنجاز المشاريع الكبرى ، و خلق الاستثمارات المدرة للدخل الوطني ، و قبل ذلك تم الإعلان الرسمي عن قرار الإصلاحات الدستورية و السياسية العميقة لتنسجم و نظم الحكم الديمقراطية المتعارف عليها دوليا ، و التوجه الفعلي نحو بناء منظومة سياسية حداثية تتخذ من الفصل بين السلطات مبدءا و استقلال القضاء منهجا ، و استحداث آلية المراقبة و المحاسبة أداة لعقلنة الفعل السياسي و أجرأته و إبعاده عن الممارسات الفردية الهوجاء . و الواقع أن الحراك السياسي المغربي يعرف حيوية لا تخلو من إبداع إيجابي ، فهناك جرأة في ملامسة المنجز الوطني سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا .. و تعددية في مقاربة " كائن المغرب و ممكنه " ، فهناك إجماع بين القمة و القاعدة على أنه لا يمكن العودة إلى الوراء ، أو نهج سياسة ترطيب الخواطر و ذر الرماد على العيون . إن من مصلحة الجميع مسؤولين و سياسيين و هياكل المجتمع المدني و رجال الإعلام و الثقافة .. أن ينجح المغرب في تقديم الحل " النهائي " للمسألة التي ملأت الدنيا و شغلت الناس ، و يقدم الدليل للمرة الألف على أن النموذج المغربي استثناء يؤكد القاعدة ، لكن كيف ! ؟
3 - إن خروج المغرب منتصرا في هذه المعركة الفارقة ، يستدعي استقراء مواطن ضعفه و استجلاء " عيوبه " بعقلانية و تحليل علمي رصين ، و ليست هذه العيوب سوى المسلكيات القائمة على القرابة و المحسوبية و تزوير الانتخابات و اقتصاد الريع ، و بعض النزعات السياسوية المتطرفة ، و التي تركب موجة الاحتجاجات المشروعة ، إنها التيارات الدينية المتعصبة و الداعية إلى " مشاريع " قروسطوية انتحارية ، و اقتفاء خطوات تجارب سياسية عربية و إسلامية لا تاريخية ، و فرض الرأي الواحد الأحد و رفض الاختلاف و المبادئ الإنسانية الكونية تحت ذريعة خصوصية متوهمة ، دون أن نعني بذلك أن الإسلام يتعارض مع آليات الاشتغال الديمقراطي ، و في الآن عينه نجد في الطرف الآخر تيارات اليسار الراديكالي العدمي ، و الذي أراد أن " يستدرك " فشله المبين في إقناع المواطن المغربي بأيديولوجيته الصفراء ، من خلال ترديده لشعارات انفصالية و عرقية ، و استهزائه بالقيم الدينية و الوطنية ، التي تؤمن بها الملايين الصامتة من الشعب المغربي . لذلك نجد أنفسنا مضطرين للتذكير بأن النضال من أجل وضع حد لمظاهر الفساد في بلادنا مطلب مشروع و واجب ، ما دام يندرج في مضمار السلوك الحضاري و السلمي ، شريطة أن تكون أشكال التعبير عن الرغبة الأكيدة في التغيير الفعلي مسيجة في نطاق ثوابت الأمة المغربية ، كما هو الشأن في مختلف الدول المتقدمة و المشهود لها بالسبق الديمقراطي . و بناء على المعطيات آنفة الذكر ، نقول جازمين إن العمل من أجل ترسيخ بناء نظام سياسي ملكي ديمقراطي دستوري في أفق الإعداد لإقامة ملكية برلمانية منسجمة مع المقاييس الدولية ، و التشبث بقيم ديننا الإسلامي الحنيف الداعي إلى الوسطية و التسامح و الرافض لكل أشكال التنطع ، و الدفاع اللامشروط عن الوحدة الترابية هو المدخل الوحيد و الأوحد لأي تحول مصيري للمملكة " نحو مغرب الغد " ( فما لكم لا تعقلون ! ؟ )
باحث في قضايا الفكر و السياسة
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

التعليقات
1آراء القراء مرتبة من الأحدث إلى الأقدم
سعيد بورجيع
ما هذا الإستعلاء يا باحثا في قضايا الفكر والسياسة؟ أليست هذه القضايا، التي أنت فيها مجرد باحث وليس متخصص فيها، مجالا للإجتهاد؟ أوليست الإجتهادات معرضة للوقوع في الأخطاء؟ ما لك، كيف تحكم؟ وتجزم بأن ما ذهبت إليه في مقالك المتعالي هذا هو الحل الوحيد والأوحد. لقد سقطت في فخ العدمية التي انتقدتها، بإرادتك إخلاء الساحة المجتمعية من أولائك الذين نعتهم بالتيارات الدينية المتعصبة، وتيارات اليسار الراديكالي العدمي... وأنت تعلم أن لا مجتمع عبر التاريخ خلا منهم بما فيه مجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم. هؤلاء يا باحثنا الكريم قوم هكذا يفكرون وعلى هذا النمط من الممارسة قائمون، فأين المشكلة إذن؟ هل يسنطيع أحد أن يستأصلهم؟ كلا ثم كلا. إنهم طينة تتطعم وتستنبت من الفكر الإستئصالي..كلما هوجموا به ازدادوا تعنتا واستأسدوا بداعي المظلومية والبكائية.. وهو ما ينبغي أن ننتبه إليه ونحن نريد إصلاح ما أفسدوه ولا يزالون. التطرف يا باحثنا بكل تجلياته مرض يعالج بنجاعة الإعتدال وليس بالتطرف المضاد لأنهما وجهان لعملة واحدة. أليس كذلك يا أستاذ؟