سعيد المودني
من الوارد جدا أن تصبح بلاد محتاجة لأبنائها، وهنا وجب على البررة منهم أن يهبوا لتلبية النداء دون أدنى تأخير أو تردد أو حتى تفكير أو ترو.. لا إشكال في ذلك إطلاقا، إعمالا لقوانين عاطفة الانتماء المجسد لرابطة الأمومة.. فليس العقوق شيمة الشرفاء، خصوصا بالنسبة لمن بذل البلد قصارى جهده في تعليمه وتنشئته وإدماجه وتوفير كل متطلبات الحياة الكريمة الممكنة له، في جو من التكافل والتضامن والتمايز النسبي المقبول.. إذ لا يمكن أن يكون للناس نفس الدخل تماما، غير أنه لا يمكن -بحجة اختلاف الأرزاق- أن يكون الاختلاف كما هو الفرق بين العدم وما لا نهاية!!
إذا كانت حالة بلادنا هذه، فنحن نقدم أنفسنا أضاح.. مع أن بلادنا لم توفر لنا شيئا مما سبق ذكره، وجعلت الفروق بين منتسبيها لا يحتويها سلم.. فكانت تصدّق بحق قول الفاروق(ض): "عققته من قبل أن يعقَّك"!! ومع ذلك فنحن لا نعاند ولا "ننادد"، ونعفو ونصفح، ونترفع ونتسامى.. وعليه نسخى بالغالي والنفيس، ونبذل الروح ويعيش الوطن.. ولكن: الوطن.
أصدقاؤنا، شخصيا لا أشكك كثيرا في نواياكم، ولا أخوّنكم بالمفهوم المادي المباشر، وفي كل الأحوال لا أساويكم بنظرائكم في الميدان، وهذا إن رفع من شأنكم شيئا ما، فإنه يضع على عاتقكم حمل إثبات حسن الظن الذي وضع فيكم..
كبحتم جماح غليان شعبي كان من الممكن أن نستدر به قدرا من الحرية يمكن ألا تتاح المطالبة به بعد الآن، وخفضتم سقف المطالب لمستوى لا يقبل به إلا السفهاء المحجور عليهم، فتكونون قد نلتم مثلبة حمل أوزاركم وأوزار أمم من دونكم يشهد بها عليكم التاريخ وأجيال الفيس بوك، وتنقش في سجل منجزاتكم..
قطفتم ثمرة من ثماره(الغليان) هي إلى جنة المسيخ الدجال أقرب، فباتت طُعما مغروزا في صنارة علقت في حلقكم لا حيلة لكم لبلعها ولا للفظها!! أُحصرتم!!!
أخلفتم مواعدكم وخالفتم وعودكم الانتخابية بهامش لا يمكن إهماله بحال، حتى أنكم لم تعودوا تذكرونها ولا تتذكرونها البتة.. ومع أنّا نعرف أن ذلك فوق طاقتكم، فهذا ليس من شيم المؤمنين على أية حال، ولا يعذر أحد بسوء تقديره، خصوصا عندما يُبلَّغ ويُنبه!!
وقعتم في كذب بيّن ونفاق ظاهر عندما شهدتم بالصلاح لمن ظهر فساده في الدنيا والدين بحيث ضيع حقوق الله وحدوده، وأضاع حقوق العباد، وشجع العري والزنا والفساد، وأكل السحت وأموال اليتامى والمقهورين، وجمع بين مصادر اكتساب الأموال والسلطات(وهو على غيره محرم قانونا)، فألبستم علينا ديننا حتى أصبحنا في ارتياب حول معاني الحق والصدق عند مطابقتنا بين أقوالكم وأفعاله!! ولكم أن تنفوا إحدى الحدين: هل نظامنا القائم هذا نظام إسلامي صالح بما يعرف من الدين بالضرورة في شِقي حقوق الله وشرعه، وحقوق الناس والعدل بينهم ومن نفسه وأهله وبطانته وشيعته.. أو أنكم لم تمتدحونه مرة، ولم تثنوا عليه كرة، ولم تشهدوا له ببعض ما شهد به الصحابة لبعض الراشدين!! وإذن هما ضدان لا يرتفعان ولا يجتمعان..
أطلتم عمر الفساد باسم التدرج، وشرعنتم الاستبداد باسم الروية، فمددتم بذلك عمر جوعنا وهواننا، وإلى الله المشتكى..
نعم أنتم الآن المنقذ للاقتصاد المغربي عبر المحافظة على التوازنات الماكرو-اقتصادية، والابتعاد عن حافة الإفلاس، ومحاولة خلق إقلاع اقتصادي... وكل هذا الكلام الذي لا يفهمه المواطن البسيط حيث لم تحدثوه فيما مضى بهذه القواميس ليكون قد استأنس بها، ومحا أميتها..
لا يُهم، المهم أن البلد في ورطة -ولا تهمنا أسباب هذه الورطة أيضا!!!- وجب إنقاذه منها. فهلم إلى رفع أثمان أهم حلقة في عجلة الاقتصاد: المحروقات، ثم تكون الزيادات المضطردة.. وهي لن تؤثر في القدرة الشرائية لـ"المواطن" ما دامت لا تتعدى دريهمات معدودة في وحدات قياس الكتلة أو الحجم، وعند ضرب الدريهمات المزيدة تلك في مجموع الوحدات هذه الضرورية للعيش اليومي، فلا "تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت"..
ماذا؟ لم تفي بالغرض؟؟ نمر للخطة "ب": تجميد الترقيات والتوظيف... في مجمد قاعدته تغطي مساحة أنطارتيكا!!!
لكن عفوا، هل استنفذت جميع الوسائل الأخرى التي يمكن أن تحقق نفس الأهداف بعيدا عن مس لقمة عيش المستضعفين؟؟
مثلا، كم يمكن لخزينة الدولة أن تحصل من مبالغ من خلال فرض رسوم على سيارات وحافلات النقل العمومي الحضرية والقروية، بدل اقتصاد الريع المعتمد على الصدفة، والمكرس للمحاباة والعطايا والولاءات... والذي لا تستفيد منه البلاد قطميرا؟؟؟
كم يمكن أن يحصل من مبالغ بتطبيق الأمر ذاته على استغلال المقالع والصيد في أعالى البحار وحذف امتيازات الاستيراد وجميع أنواع الامتيازات المجانية كيفما كان نوعها؟؟؟
كم يمكن أن نحصل إذا أدى كل أصحاب الشركات الأخطبوطية المخزنية والمتحالفة ما بذمتهم من ضرائب ومستحقات قانونية؟؟
كم يمكن أن نحصل إذا استرددنا بعض ممتلكاتنا العامة المستولى عليها(من طرف رجال الدولة) داخل البلاد وخارجها؟؟؟
كم يمكن أن نوفر إذا تخلينا عن مبدأ توسيع قاعدة المتحالفين عبر إرشاء المتقاعدين وغيرهم من البرلمانيين والوزراء....؟؟؟
كم يمكن أن نوفر إذا راجعنا أجور وتعويضات من لا تحسب أجورهم وتعويضاتهم سواء من المزاولين فوق القانون أو الأشباح فوق العادة(المعوضون بحكم الانتماء الأسري)؟؟؟
كم يمكن أن نوفر إذا عقلنّا ميزانية القصر وممتلكاته، ولم تمرر فوق السحاب كأنها وحي يوحى؟؟
كم يمكن أن نوفر إذا أوقفنا تحركات المواكب التي توازي تحرك دولة كاملة بأجورها، وتعويضاتها الزمنية أو الكيلومترية، وإطعامها، ومبيتها، ومحروقاتها.... والتي قد تصل أضعاف المشروع المراد زيارته!!!؟؟؟؟
عندما نستنفذ هذه المصادر، ولا تعود هناك طائرة خاصة تحرق الكيروزين النفيس من أجل توريد ملابس طفل من أمريكا، وتبقى مع ذلك البلاد محتاجة إلى إجراءات أخرى، فنحن على استعداد أن نصوم الدهر، ونلبس الرث، ونسير راجلين من أجل إنقاذ "بلدنا"..
أصدقاؤنا، إن كنتم تستطيعون تفعيل ما ورد في الأسطر أعلاه، ولم تفعلوا، فتلك مصيبة، وإن كنتم لا تستطيعون -وهذا هو الواقع، وإلا فتكونون أنذالا إذا كنتم تستطيعون التخفيف عن المقهورين والسعي لتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية والتقريب بين الطبقات ولم تفعلوا- أقول، وإن كنتم لا تستطيعون فعل ذلك، فالمصيبة أعظم، لأنكم تكونون قد ورطتم أنفسكم في مهانة لا قبل لكم بها، ورهنتم البلاد لأمد جديد لا يعلم مداه إلا الله سبحانه وتعالى، واستعملتم كعود أسنان أو ورق صحي، يستعمل للمرة الواحدة ويلقى في القمامة، أو في أحسن الأحوال، وظفتم جسرا لتمرير كل الأثقال التي لم يمكن تمريرها عبر أي جسر آخر، حتى إذا تم عبور كل الحمولة، كانت نهاية صلاحيته، فتحطم ذاتيا دون جهد أو مسؤولية فاعل!!!
سؤال يبقى مشروعا: ماذا كنتم تخسرون لو صمدتم إلى جانب الشعب وتشبثتم بسقف مطالبه؟؟؟!!!!!!
