سعيد المودني
فتحت أبواب المطالبات، وأتيحت فرص الأعطيات، فاشرئب كل ذي حق أو حاجة يزايد في طلبه ويرفع السقف عملا بحكمة التجار في مسألة المساومة: "علّي تجبر ما تخلّي"، فربما لا تصادَف أبواب السماء مفتوحة بعد الآن، على الأقل في المدى المنظور.. نعم هي سنن كونية، فليس كل ما يتمنى المرء يدركه.
لكن ما يخرج عن السنة والمألوف، هو ما سماه ابن نبي رحمه الله "القابلية للاستعمار"، أو للهزيمة بصفة عامة!! ذلك أن جل شعوب بني البشر إذا ما واتتهم فرصة سارعوا للطلب وتمنوا على من يهمه الأمر الأماني، حتى يروا ما يمكن تلبيته، وما يجوز تأجيله، وما يجب رفضه تصريحا أو مراوغة...
غير أن نخبتنا التي تأبى الشذوذ عن الاستثناء المغربي، إذا ما هيأ لها القدر مناسبة، زهدت فيها وأعرضت عنها إعراض الناسك الورع عن الوقوع في الحرام، مع أن المفروض أنها لا تمثل نفسها فقط، بل المفترض فيها أن تكون قاطرة تجر عشرات المقطورات، في كل مقطورة مقصورات، في كل مقصورة ركاب متشبثون بها(القاطرة)، طمعا في عبور هذا النفق المظلم الطويل إلى حيث الرياض والمروج والبساتين وجنات وعيون..
إنها الصد والزهد في معاش ذوي الحقوق دون تفويض منهم لا للزاهد ولا للقابض، فيكون الأمر بمثابة تنازل من لا يملك لمن لا يستحق دون موافقة صاحب الحق!!
يناضل المستضعفون من أجل لقمة كرامة وشيء من ماء وجه -لأنه ليس بالخبز وحده يعيش الإنسان، كما يقال- فيتنازل أصحاب الحل والعقد إلى فتيت دستوري/معنوي للمسحوقين، وفتات مادي/وظيفي لـ"المناضلين"!! كل هذا لخيانة قيادية، وانتهازية طليعية، مغلفة بالواقعية، ومصلحة اللحظة، والتدرج، والحفاظ على الاستقرار... وكأنه لا استقرار إلا في أنظمة شبيهة أو صورة طبق الأصل لتلك القائمة، أو وكأنه لا وجود له إلا في خلفها من نسلها، أو وكأن الاستقرار والحقوق المادية والمعنوية الكريمة ضدان لا يرتفعان ولا يجتمعان!!!
إنه عدم الثقة في القاعدة الشعبية التي أصبحت "بحال جنان اليهودي: الماكلة فيه واللعنة فيه"، وحب الوصاية على هذا الشعب "القاصر" الذي لم يبلغ بعد الحلم أو سن الرشد حتى يتولى رعاية شؤونه بنفسه والاستقلال برأيه والاجتهاد في قيادة قافلته.. بل إنه الخيانة والغدر المتوجين بالسرقة الموصوفة لاستحقاقات الشعوب المقهورة المناضلة عبر احتلال المناصب والاكتناز من رصيد الأشقياء..
إن الحال هذا أفرز معطى ثوريا في العلوم السياسية يكرس، بل ويعمق مفهوم الاستثناء المغربي: نخبة سياسية وثقافية متحالفة مع سِفاح المال والسلطة ولقطائهما!! لذا وانسجاما مع مبدأ الاستثناء الساري، فإن "النخبة" تلك هي من يجب أن يحاسب عن "ترسب" هذا الشعب في ذاك المستنقع، واستعذابه استطالة فترة الطفولة، ما دام الأطفال لا يلامون ولا يحاسبون، وإنما يُفعل ذلك بذويهم وأوليائهم..
فعلا إنه سؤال القرن: لماذا وقف سقف المطالب في إصلاح الدستور عند هذا الحد الهزيل؟ ماذا كان سيخسر "المناضلون" لو رفعوا هذا السقف حتى ولو لم تتم أية استجابة ولو في حدودها الدنيا؟ على الأقل يكونون قد أخلوا مسؤوليتهم التاريخية..
