محمد صالح
إن القرار الأخير الذي إتخده رئيس الحكومة، القاضي بمنع البث التلفزي لفقرة الإحاطة علما، التي نصت عليها المادة 128 من النظام الداخلي لمجلس النواب، أثار زوبعة غضب غير مسبوقة في صفوف فرق المعارضة بمجلس المستشارين، وهذا ما اتضح يومه الثلاثاء، خلال الجلسة الأسبوعية للأسئلة، إذ عبرت المعارضة بشكل واضح على رفضها لهذا القرار، من خلال الإحتجاج بطريقة غير مسبوقة، حيث أقدم مستشاري الأصالة والمعاصرة وكذا حزب الإستقلال على تكميم أفواههم ورفع لافتات رافضة لقرار بنكيران، معتبرينه قرار جائرا، ومنافي لمقتضيات النظام الداخلي للمجلس، وسابقة في تاريخ الحكومات المغربية.
وقد استند رئيس الحكومة على قرار سابق للمجلس الدستوري يحمل رقم 924/13 والذي اعتبر الجلسات الأسبوعية لمساءلة الحكومة "جلسات للأسئلة والأجوبة طبقا لأحكام الفصل 100 من الدستور وفي إطار مبدأ التوازن بين السلط"، وقضى بعدم دستورية الإحاطة، أثناء فحصه لمدى دستورية النظام الداخلي لمجلس النواب، وعلى هذا الأساس قرر رئيس الحكومة حجب الإحاطة علما عن البث التلفزي.
لكن هل القرار الذي إتخده الرئيس الحكومة سليم من الناحية الدستورية والقانونية؟ وهل يحق لرئيس الحكومة الإستناد على قرار المجلس الدستوري المتعلق بالنظام الداخلي لمجلس النواب وإسقاطه على مجلس المستشارين؟ وإذا كانت فعلا هذه الفقرة غير دستورية، وكان دليل رئيس الحكومة يتوفر على الشرعية القانونية والدستورية، لماذا لم يدعوا إلى الإلغاء النهائي لهذه الفقرة؟؟ إنسجاما وقرار المجلس الدستوري.؟؟
صحيح أن قرار المجلس الدستوري كان واضح بخصوص الإحاطة علما في العلاقة مع النظام الداخلي، حيث قضى بعدم دستوريتها، وصحيح أيضا أن المغرب عرف إجتهادا للمجلس الدستوري يقضي بأن "القرارات المتعلقة بالنظام الداخلي لأحد مجلسي البرلمان تجري على المجلس الآخر عندما يتعلق الأمر بنفس الموضوع" لكن هل من الممكن أن نطبق هذا الامر في هذه الحالة؟ خصوص أننا اليوم أمام حالة فريدة لم يسبق أن شهدها التاريخ الدستوري والسياسي المغربي، مجلس النواب جديد إنتخب بناءا على مقتضيات الدستور الجديد، وخاضع لنظام داخلي جديد، ومجلس المستشارين إنتخب في عهد دستور 1996، ولازال مستمرا إلى وقتنا هذا، بناء على الفصل 176 من دستور 2011 المتعلق بالأحكام الإنتقالية، مما يعني أن المجلس الحالي يقوم بمهامه بصفة مؤقتة إلى حين إجراء الإنتخابات الجماعية وإنتخاب المجلس الجديد.
وحتى نتمكن من الإحاطة بهذا الموضوع بشكل مقبول، سنعمل على الإستناد إلى أحد أهم مبادىء القانون، وهو مبدأ تراتبية القوانين، الذي يقضي ضرورة تلائم القانون الأدنى درجة مع القانون الأعلى منه، بداية بالدستور كأسمى قانون بالبلاد ثم القانون التنظيم ثم.....، ونحن الأن في هذه الحالة أمام قرار إداري صادر عن رئيس الحكومة، يناقض ما هو متضمن في النظام الداخلي لمجلس المستشارين، إذ لا يوجد لا في الدستور ولا في النظام الداخلي ما من شأنه أن يمكن رئيس الحكومة بمنع البث، حيث أن الحالة الوحيدة التي يمكن من خلالها منع البث التلفزي لجزء من الجلسة، هي المبينة في المادة 142 من النظام الداخلي على الشكل التالي :"الرئيس (رئيس المجلس) أن يأمر عند الاقتضاء بعدم تسجيل كلام المستشار المخل بالنظام الداخلي في المحضر وفي سجل وقائع الجلسة وإقفال مكبر الصوت والأمر عند الاقتضاء بعدم نقل هذا الكلام على أمواج الإذاعة والتلفزة". إذن فقرار رئيس الحكومة لم يراعي إطلاقا مبدأ تراتبية القوانين حيث سعى إلى تغيير (بشكل ضمني) مقتضيات النظام الداخلي بقرار إداري.
أما فيما يخص إمكانية الإستناد إلى الإجتهاد الدستوري القاضي ب"القرارات المتعلقة بالنظام الداخلي لأحد مجلسي البرلمان تجري على المجلس الآخر عندما يتعلق الأمر بنفس الموضوع"، إن هذا اللجوء إلى هذا الإجتهاد يكون أثناء صياغة النظام الداخلي لرفض إحدى مقتضياته، وليس لإبطال مفعول مادة من نظام داخلي ساري المفعول، فهذا الأخير لا يمكن إصداره إلى بعد خضوعه للفحص من طرف المجلس الدستوري، وقد سبق له أن صرح بدستوريته رغم أن الأمر كان في ظل دستور 1996، لكن لكون أن قرارات المجلس الدستوري لا تقبل الطعن، ولكون مجلس المستشارين الحالي هو مستمر في أداء مهامه بشكل مؤقت طبقا لأحكام الفصل 176 المندرج ضمن باب الأحكام الإنتقالية، فلا يمكن الآن إبطال العمل بهذه المادة، ولا الطعن بعدم دستوريتها، إلا إذا ما تم وضع نظام داخلي جديد وعرض على المجلس الدستوري، ومن يدعي خلافا ذلك فعليه أن يبرر استمرار المجلس الحالي بعدد من المستشارين منافي لما هو منصوص عليه دستوريا، وعليه أيضا أن يعرض عدد من المواد المتضمنة في النظام الداخلي للمجلس والغير مطابقة للدستوري الحالي.
أما إذا كان رئيس الحكومة مقتنعا بقراره، ويتوفر فعلا على الشرعية الدستورية، إستنادا إلى قرار المجلس الدستوري المتعلق بالنظام الداخلي لمجلس النواب، وإلى الإجتهاد الدستوري المشار إليه سابقا فما الذي يمنعه من إلغاء الإحاطة نهائيا؟
إن قرار رئيس الحكومة مجانب للصواب ولا يتوفر على أساس دستوري أو قانوني، بقدر ما هو محاولة للتخلص من إحدى الآليات المهمة التي يضمنها النظام الداخلي لمستشارين، والتي لا تسيطيع الحكومة التحكم فيها، فهذا الإشكال لم يكن وليد اليوم، بل عرفته الحكومات السابقة، حيث سبق لمحمد سعد العلمي، حين كان وزيرا مكلفا بالعلاقات مع البرلمان، أن عبر عن إستيائه وتضايقه من هذه الآلية قائلا: «ليس هذا في إطار الإحاطة علما، هذا التخربيق، ....»، ردا على رئيس أحد فرق المعارضة، الذي وجه نقدا لاذعا في إحاطته للوزير الأول السابق عباس الفاسي، إضافة إلى أن إدريس لشكر هو الأخر، عندما عين وزيرا، أكد في تصريحات له أن الإحاطة التي تنظمها المادة 128 من النظام الداخلي غير ديمقراطية، لأنها لا تقتصر على الإخبار بقضية طارئة ولا تتضمن عنصر الإخبار، بل تستعمل في غير محلها، خاصة أن رئيس الفريق يقول ما يشاء دون أن يكون رئيس المجلس ولا المكتب على علم بمضمونها، وتنقل مباشرة على الهواء ولا يمنح للحكومة حق الرد عندما يتعلق الموضوع بها، كما كان مضمون الإحاطة سببا في رفع بعض جلسات مجلس المستشارين، حيث تتسبب في إحراج العديد من الوزراء، إذ فاجئهم رؤساء الفرق بمواضيع غير متوقعة، ونذكر هنا، ما حدث حينما أشهر بنشماس صورا تظهر وزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان الحبيب الشوبني رفقة إبنه وبعض طلبة العدالة والتنمية بتركيا... هذه الواقعة أظهرت كيف يقوم الوزراء باسغلال رحالات العمل الوزاري لأغراض شخصية وحزبية ... وحتى يمنع رئيس الحكومة المعارضة من هذه الألية العملية القوية قام بإتخاذ قراره القاضي بمنع بث هذه الفقرة على تلفزة المغربية.
