السالك عدي
إن ثمة معدلات للعنف الظاهر فى كل مجالات الحياة، ورغم ارتفاعها إلا أنها لاتزال عند مستويات منخفضة مقارنة بما يحدث فى دول أخرى من العالم. فما مصدر القلق إذن؟ إن هذا القلق قد ينتج عما نسميه بالعنف المكبوث وليس العنف الظاهر. فثمة مؤشرات قوية تدل على وجود طاقة عنف مكبوثة أو كامنة. ولن أشير هنا إلى المطالب الفئوية، وصور الخطاب العنيف، والتشوه اللغوى فى فعل الاتصال الذى شاهدناه بعد الربيع العربي. فربما نقول إنها من منتجات الثورة، وهى من الأمور العادية، وإن كانت جزءا لا يتجزأ من طاقة العنف الكامنة التى أتحدث عنها. إن ما أريد أن ألفت الانتباه إليه هنا هو هذه الصور من الاحتقانات الاجتماعية غير المتوقعة التى تصادفنا كفقاقيع الهواء التى تظهر فى المكان على نحو غير متوقع. إنها ليست وليدة الثورات بقدر ما هى لصيقة بالبناء الاجتماعى القائم، وكان أخرها احتجاجات التلاميذ على مشروع "مسار" الذي جاءت به وزارة التربية الوطنية. ومن الأمثلة على هذه الانفجارات غير المتوقعة ظهور احتجاجات على مستوى جميع الفئات الاجتماعية ، وانفجار بعض المدرسين فى وجوه التلاميذ ضربا، واعتداء أهل قبيلة معينة على أخرى بسبب الأرض، وأخذ الثأر بشكل جمعى، وتحول بعض مظاهر البهجة فى الأفراح والمناسبات العامة إلى عنف وعراك ومشاحنات، وأهم من ذلك كله تحول بعض صور النزاع البسيطة بين أطراف سياسية معركة كبيرة قد تنتهى بتبادل الاتهامات، وصور الصياح والاعتراض والعنف اللفظى التى تصاحب الصراع على الحيز المكانى أثناء قيادة السيارات فى المدن، والانفعال السريع لأتفه الأسباب، وعدم القدرة على الإنصات الجيد، والتسرع فى اتخاذ القرار دون تروى أو تفكير، وكثرة الحديث عن الآخرين بشكل سلبي، والميل إلى التحيز فى القول والفعل. وأخيرا وليس آخرا، هذه العلاقة الغريبة بين الإنسان والبيئة التى يعيش فيها، والتى لا يمل من تقذيرها وتلويثها على غير اكتراث ونظر وتدبر. وقد نرى أن صور العنف الكامن أو المخزون ـ أو العنف البنائى أو اللصيق بالبناء ـ فى هذا المجتمع أكثر بكثير من العنف الظاهر، وهو إذ يخرج وبتزايد بعد الثورات التي عاشتها بعض الدول على المستوى الاقليمي، فإن هناك إمكانية لاتساعه وانتشاره إذا لم يتم ضبطه وتنظيمه أو التقليل منه.
ونحن أحوج ما نكون إلى فهم الظرف الذى نتج عنه هذا العنف المكبوث، بمعنى السؤال عن الأسباب التى أفرزت هذا النمط من العنف، وحولت الأصل المنشئ الحضارى للأفراد إلى هذه الحالة التى تشى بمخزون من العنف الكامن. وربما نكون بحاجة لكى نفهم هذا الظرف أن ننظر بما لحق بالإنسان المغربي من تغيرات ومؤثرات عبر تاريخه الحديث، خاصة الحقبة المعاصرة منه، والتى تمتد عبر السنوات الماضية. فلقد ترك هذا الإنسان تركا، وأهمل أهمالا ''ليدبر حاله'' بنفسه فى أغلب الأحيان، وانشغل أصحاب الدولة بإعادة إنتاج أنفسهم وذويهم. ومن هنا فقد وقع الإنسان المغربي تحت وطأة الظروف المتغيرة من حوله لتؤثر فيه دون أن يؤثر هو فيها: عولمة تحمل إليه ثقافة الاستهلاك ورموزه فتطير بعقله إلى آفاق لا تصل إليها الدراهم القليلة التى فى جيبه، وامتداد مفتوح للهجرة يمنح الأفراد فرصة لاستبقاء حياتهم بما يعودون به من أموال ولكنه يحملهم بأساليب حياة وبرؤى مختلفة للعالم تختلف رائحتها عن رائحة تراب وطين هذا البلد، وأشخاص يمنعونه من القول ويصدون عنه صدودا.
فماذا عسى أن ينتج عن هذا السياق؟ إن ما ينتجه كثيرا جدا أقله أن تتحلل الروابط الماسكة للأصل الحضارى المنشئ على أصداء ثقافة المادة واستحالة الحياة إلى دراهم. هنا تتحلل العلاقة بالأرض التى تتحول السلعة، ويرغب أهلها فى تركها ومغادرتها إلى أعمال أقل قيمة وأكثر ربحا. ومثل ذلك يقال عن العلاقة بالعائلة، حيث تتفكك الروابط القرابية وتتحول العلاقات بين البشر إلى علاقات مادية صرفة، ويتزايد النسل بغير ضابط ـ ربما كآلية مقاومة واستمرار ـ دون أن يجد التعليم الكافى أو الصحة الكافية فتتردى الخصائص النوعية للسكان، وتصبح الغريزة هى الأكثر تأثيرا فى الفعل ورد الفعل، وتتزايد صور المشقة فى الحياة، لا بل صور الحرمان أيضا. وكلما اتسعت هذه الظروف تتسع الهوة بين البشر، ويحل الدفاع عن الحدود الجسدية والشخصية والثقافية محل التواصل والتعاون. هنا يتوالد العنف ويتكاثر كطاقة نفسية مخزونة يمنعها الصبر وقوة التحمل من أن تظهر، وإلا كالفقاقيع التى لا نعرف مكانا أو زمانا لحدوثها. ولكن إلى متى يمكن أن يستمر الصبر وقوة التحمل كحائط صد أمام هذا العنف المكبوث؟ فليس هناك من ضمان لأن يستمر الصبر، خاصة لأن الظروف التى تولد مخزون العنف، هى نفس الظروف التى تزيح حائط الصبر والتحمل.
وقد أختم مقالى هذا بالإشارة إلى أن النظام الاجتماعى العام يواجه كثيرا من التحديات فى هذه المرحلة من حياة الوطن، غير أننى أزعم أن هذه الطاقة المخزونة من العنف هى أخطر المشكلات والتحديات التى تواجه النظام العام. ولا أحسب أن مثل هذه المعضلة تحل بالوعظ والنصح أو التدخلات ''الترقيعية''. وأننا بحاجة ماسة إلى أن نعيد ترتيب كثير من الأمور الداخلية فيما يتصل بتعليم الناس وصحتهم ومعاشهم وحياتهم المدنية والقيم الأخلاقية التى تحكم سلوكهم، لكى يستطيعوا بناء مستقبل أفضل. ولا أجد ما أنهى به أفضل من التذكير بمقولة الفيلسوف الراحل زكى نجيب محمود: ''مجتمع جديد أم كارثة''.
