بعد 50 سنة
دول تأسست أمس البارحة، وأخرى استقلت قبلها أو بعدها بسويعات قلائل، أحزاب ظهرت قبيل ساعات، شخصيات برزت للقيادة في حدود ذات الحين... كياناتها السياسية أو المدنية تحتل مراكز جد محترمة في مصاف تصنيفات الرقي والازدهار والرخاء والجودة والقوة والحكامة والنزاهة والشفافية والديمقراطية والتداول...
دول لا تكتسب من مواد أولية إلا نزرا، ولا تمتلك من مصادر الطاقة إلا شذرا، ولم تلتفت إليها إمكانات إنتاج غذاء الذات إلا شزرا، بل لا تملك مساحة أفقية كافية لإيواء أبنائها إلا بصيغة أصغر أو يساوي..
دول عاشت حروبا خارجية وداخلية وثورات، وعرفت انقسامات واندماجات، وعانت كوارث وزلازل وأعاصير ومجاعات...
دول تعايشت فيها أقوام وملل ونحل، وأعراق وإثنيات، وعقائد وديانات، وألوان وألسن ولهجات، تجذُّر في التربة وتأصُّل ونزوحات...
ونحن أصحاب أربعة عشر قرنا من الوجود السياسي، كميات معتبرة من كنوز باطن الأرض، مساحات كافية وظروف مواتية لإعالة الأهل والتصدق على الجيران والأقارب، سواحل لا يضاهي طولَها إلا تنوعها الممكنين من تأسيس صناعة سمكية عملاقة كافية للتغذية والتسويق على حد سواء، تنوع جغرافي وحيوي وبيئي على المستويين النباتي والحيواني، والمناخي أيضا، كثافة سكانية معتدلة مثالية لا ينقصها سوى تدخل اليد الطولى قصد تحقيق التوازن والوظيفية، انصهار سكاني بوتقي تعايشت فيه الأعراق واللهجات المتداخلة منذ 14 قرنا، استقرار سياسي مثالي في التاريخ والجغرافيا، بل استقرار طبيعي عاطفي، وكأن الكوارث تعلم ألا طاقة لنا بها، حيث لم نحصل على المعدل حتى وهي قد جافتنا، فتراها قد اتجهت صوب من يرفع التحدي في وجه أي شيء حتى ولو كان من ميتافيزيقيّ الباعث، شعب يُضرب به المثل في العمل والتفاني والصبر والتحمل... ما رأى وراء ذلك طائل..
كيان بهذه الميزات، في مقابل كيانات بتلك المثالب، يذيل لوائح الاستحقاق العالمي في كل المباريات الدولية، بل تتفوق عليه حتى التجمعات البشرية التي لا تزال تعاني تحت نير الاستعمار... يطالعنا قائد حزب "عتيد" دخل المعترك السياسي قبل استكمال بنائه، يطالعنا بانتقاد شديد للأوضاع المتجهة بالبلاد نحو الهاوية!!! ولا صحيح في كلامه إلا ما تعلق منه باتجاه البلد إلى القاع السحيق، ولم أستطع أن أعبر عما يخالجني من مرارة الإحساس بالاستغباء باللغة الفصحى، فأستميحكم عذرا:
<<دابا بحال هادو اللي عندهم اكثر من 50 عام ديال الأقدمية في المشاركة(الأحزاب، أما الدولة فمصيبة والسلام: 14ق)، كيفما عملوها ما غادي تجي هي هاديك: شاركتو وشاركتو وعارضتو وشاركتو... انتم الجزء الأسود من تاريخ هاذ الكيان السياسي!! اشنو درتو؟ على من نحسبو هاد المصيبة اللي احنا واقعين فيها؟؟ دول تأسست أو استقلت البارح شوفو فين وصلت، واحنا مذيلين الترتيب العالمي على جميع الأصعدة... يمممممممكن يهدر "البام" ويكون عندو الحق، يقولك أنا عاد تأسست البارح.. ويمكن يهدر النظام الموريطاني، ويقول أنا عاد بديت نحكم.. وانتم؟ آش غادي تقولو؟؟؟؟>>
يذكرني الحديث بحدث جرى بعيْد خروج حزب "تقدمي" من المسؤولية عن قطاع التربية الوطنية بعد انتهاء الولاية الحكومية، فسارع الذراع النقابي للحزب المعني لعقد أيام تدارسية للوضع التعليمي بالبلاد، وتكوينية لفائدة منخرطي النقابة، وتوج نشاطه بتقرير وصلتني نسخة منه عبر صديق كان من الحاضرين. افتُتح التقرير بتصدير يربط النقابة بالرؤية السياسية للحزب المذكور وحواشيه(مما يحرمها من التملص بعد حين من مسؤولية مآل القطاع)، ثم وجه نقدا لاذعا للتيار الذي بالكاد تسلم زمام تسيير القطاع، محملا إياه مسؤولية ما آل إليه الوضع التعليمي بالمغرب!!!!!!
شخصيا، لا أجد بينهم فرقا لأنهم لا دور لهم أصلا إلا في حدود ما سطر لهم، ولكن، بالله عليكم هل هناك استحمار أمعن وأوهن من هذا؟؟؟؟
ملاحظة عابرة هي أن التقرير ذاك المنتصر للرفع من مستوى التعليم لا يقبل صياغتَه بذلك الشكل إلا المتساقطون من أسلاك الثانويات لتعذر المسايرة، سواء من حيث النحو أو الإملاء أو الأسلوب أو حتى مستوى الرقن والإخراج.. والنماذج متوافرة..

أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.